آراء

نزار العوصجي: حين تصبح السلطة طريقًا إلى الثراء

ليس مؤلمًا أن يكون البلد فقير عاجزًا عن توفير حياة كريمة لمواطنيه ، فالفقر يفرض قيوده على الجميع ، لكن المأساة الحقيقية أن يكون البلد غنيًا ، بينما يعيش شعبه وكأنه يقتات على فتات ثرواته .
هنا لا يعود السؤال عن حجم الموارد ، بل عن كيفية إدارتها ، وعن الجهات التي قررت أن تجعل من السلطة وسيلة للنفوذ ، ومن المال العام غنيمة تتقاسمها المصالح الضيقة .
العراق ليس بلدًا فقيرًا . فالأرض التي تختزن ثروات نفطية هائلة ، وتمتلك موقعًا جغرافيًا مهمًا ، وإمكانات بشرية كبيرة ، كان يمكن أن تكون نموذجًا للتنمية في المنطقة ، لكن الواقع الذي يعيشه المواطن يروي قصة مختلفة ؛ قصة تتكرر فيها الأزمات ، وتتأجل فيها المشاريع ، وتتراجع فيها الخدمات ، بينما يبقى السؤال ذاته حاضرًا :
من يدفع ثمن الفساد في العراق؟
لماذا لم تنعكس هذه الثروات على حياة الناس ؟

من وجهة نظري ، لا تكمن الأزمة في قلة الموارد ، بل في سوء إدارتها ، وفي تغليب المصالح الخاصة على المصلحة العامة ، فالفساد لا يسرق الأموال فحسب ، بل يسرق الزمن ، ويبدد الفرص ، ويقنع المواطن بأن جهده وإخلاصه أقل قيمة من النفوذ والعلاقات .
لم يعد الحديث عن الفساد مجرد نقاش سياسي أو إعلامي ، بل أصبح جزءًا من الحياة اليومية للمواطن .
فعندما يرى المواطن مستشفى لم يكتمل ، أو مدرسة تفتقر إلى أبسط المقومات ، أو طريقًا يُعاد ترميمه كل عام ، فهو لا يحتاج إلى تقارير مطولة ليشعر بأن هناك خللًا في إدارة المال العام ، وعندما تتكرر هذه المشاهد لسنوات ، يصبح فقدان الثقة نتيجة طبيعية .

لقد ترسخ لدى شريحة واسعة من العراقيين اعتقاد بأن بعض المناصب العامة أصبحت بوابة للنفوذ والثراء ، لا ساحة لتحمل المسؤولية ، وهذا الشعور ، سواء اتفق الجميع معه أم لا ، لا يمكن تجاهله ، لأنه يعكس فجوة عميقة بين المواطن ومؤسسات الدولة ، غير أن الإنصاف يقتضي التمييز بين الانطباع الشعبي وبين المسؤولية القانونية ؛ فلا يصح اتهام أي شخص بالفساد من دون دليل وإجراءات قضائية ، كما أن التعميم على جميع السياسيين لا يخدم الحقيقة ولا يدعم الإصلاح .
ومع ذلك ، فإن المشكلة الحقيقية تتجاوز الأشخاص ، فحين تسمح البيئة المؤسسية بضعف الرقابة ، وتتعثر المساءلة ، وتتداخل المصالح السياسية مع إدارة الدولة ، يصبح الفساد أكثر قدرة على الاستمرار ، حتى لو تغيرت الوجوه .

إن أخطر ما في الفساد أنه لا يسرق الحاضر فقط ، بل يصادر المستقبل ، فكل مشروع متعثر يعني فرصة عمل ضائعة ، وكل دينار يُهدر يعني مدرسة لم تُبنَ ، أو مستشفى لم يُجهز ، أو شابًا فقد الأمل في أن يجد مكانًا له داخل وطنه ، ولهذا فإن خسائر الفساد لا تُقاس بالأموال وحدها ، بل بالأحلام التي تتبدد ، وبالثقة التي تتآكل عامًا بعد عام .
العراق اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الشعارات ، بل إلى ثقافة سياسية جديدة تعتبر المنصب العام تكليفًا لا تشريفًا ، ومسؤولية لا امتيازًا .
يحتاج إلى مؤسسات قوية ، وقضاء مستقل ، ورقابة فعالة ، وشفافية تجعل كل دينار من المال العام خاضعًا للمساءلة ، فالإصلاح الحقيقي يبدأ عندما يدرك المسؤول أن سلطته ليست ملكًا له ، وإنما أمانة منحها له الشعب .

ليس من السهل على العراقي أن يفهم كيف يمكن لبلد يمتلك واحدة من أكبر الاحتياطيات النفطية في العالم أن يعاني من انقطاع الكهرباء ، وتراجع الخدمات الصحية ، وارتفاع معدلات البطالة، وتدهور البنية التحتية .
هذا التناقض الصارخ بين وفرة الموارد وقسوة الواقع جعل سؤالًا واحدًا يتردد على ألسنة الملايين :
أين ذهبت ثروات العراق ؟
إن بناء الدول لا يتحقق بكثرة الموارد ، وإنما بحسن إدارتها ، والتاريخ مليء بدول فقيرة أصبحت مزدهرة لأنها احترمت القانون ، كما أنه مليء بدول غنية تعثرت لأنها سمحت للفساد بأن يتغلغل في مؤسساتها .
لقد أصبح من الشائع أن يربط كثير من العراقيين بين المناصب السياسية والثراء السريع ، ويستند هذا الانطباع إلى سنوات من قضايا الفساد المعلنة ، وإلى الشعور بأن بعض المسؤولين يعيشون في مستوى اقتصادي لا ينسجم مع الرواتب الرسمية المعلنة . ومع ذلك ، فإن العدالة تقتضي التمييز بين الانطباع العام وبين المسؤولية القانونية ؛ فلا يجوز اتهام أي شخص بالفساد من دون أدلة وإجراءات قضائية .

ويبقى الأمل قائمًا ، لأن الشعوب التي تطالب بالإصلاح ، وتؤمن بدولة القانون ، قادرة على صناعة مستقبل أفضل ، والعراق يمتلك من الطاقات والثروات ما يؤهله لذلك ، شرط أن تكون المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار ، وأن يُدار المال العام باعتباره حقًا لكل مواطن ، لا امتيازًا لمن يتولى السلطة .
ففي النهاية ، لا يُقاس نجاح أي حكومة بعدد الخطب التي تُلقى ، ولا بحجم الوعود التي تُطلق ، بل بما يلمسه المواطن في حياته اليومية من عدالة ، وخدمات ، وفرص ، وكرامة .
وعندما يشعر العراقي بأن ثروة بلاده عادت إليه في صورة تنمية حقيقية ، عندها فقط يمكن القول إن الدولة بدأت تنتصر على الفساد ، لا أن تتعايش معه ..

زر الذهاب إلى الأعلى