آراء

نزار العوصجي: تحوّل أستراتيجية العقيدة الإيرانية

بعد أن ثبت بما لايقبل الشك فشل الخيار العسكري الذي كان يتبجح به ساسة النظام في طهران ، برز إلى الواجهة تحوّل أستراتيجي لافت في العقيدة الإيرانية ، يوحي بعملية إعادة توجيه كبيرة وعميقة في أدوات النفوذ ، وأولويات القوة .

فالتحوّل الاستراتيجي ، في جوهره ، يعني تغييرًا جذريًا يصل عكسيًا إلى 180 درجة ، مما يثير تساؤلات محورية أهمها :

هل باتت السيطرة على إدارة مضيق هرمز أكثر جدوى من امتلاك سلاح نووي ؟

وهل يعكس ذلك إعادة ترتيب فعلية لأولويات القوة في طهران ؟

أم أننا أمام رؤية شاملة تعيد تعريف مفهوم “القوة”، في التحول من الردع النووي إلى الهيمنة الجيوسياسية المباشرة ؟
للإجابة على هذه التساؤلات لابد لنا من تناولها بحيادية وموضوعية ، فالملاحظ أن هنالك توجه نحو تحويل مضيق هرمز من ممر مائي إلى أداة نفوذ عالمي ، حيث لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر بحري ، بل تحوّل إلى شريان اقتصادي حيوي تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط العالمية .

لذا فأن السيطرة عليه تمنح إيران قدرة فورية ذات تأثير في الاقتصاد الدولي ، دون اللجوء إلى القوة العسكرية المباشرة .

من هذا المنطلق ، يبدو أن التحكم بتدفقات الطاقة يوفر لإيران نفوذًا يتجاوز الترسانة العسكرية ، كونه أداة ضغط مستمرة لا ترتبط بلحظة صراع عابر ، لذا يسعى النظام الإيراني إلى جعل الاقتصاد في خدمة القوة ، ومصدر تمويل من قلب البحر .

أن أحد أخطر أبعاد هذه الرؤية يتمثل في إمكانية تحويل إدارة المضيق إلى مصدر تمويل دائم .

ففرض رسوم على السفن ، وتوجيه جزء منها — قد يصل إلى 30% — لدعم البنية العسكرية ، يعكس نموذجًا يدمج الاقتصاد بالأمن بشكل مباشر .

وهكذا ، لا يصبح المضيق مجرد ورقة ضغط ، بل ركيزة مستدامة لتعزيز القوة .
بين السيادة ومواجهة النظام الدولي

تطرح إيران هذا التوجه باعتباره حقًا سياديًا ، لكنها بذلك تضع نفسها في مواجهة مع مبدأ حرية الملاحة الذي يقوم عليه النظام الدولي .

فالسيطرة الكاملة على ممر مائي دولي تمثل تصعيدًا قد يستدعي ردود فعل إقليمية ودولية حادة ، ما يجعل هذا المسار محفوفًا بتحديات كبيرة .

ان التحول من الردع النووي إلى الردع الجيوسياسي الاقتصادي ، يعكس التصور في انتقالًا واضحًا من الردع النووي إلى ما يمكن وصفه بـ“الردع الاقتصادي الجيوسياسي”، حيث تصبح القدرة على التأثير في إمدادات الطاقة أداة ضغط أكثر استدامة وأشد فعالية .

وتكمن خطورة هذا النمط في أنه لا يتطلب مواجهة عسكرية مباشرة ، بل يُمارس بشكل تدريجي ومستمر ، مما يزيد من تعقيده وتأثيره على المدى البعيد .
ماتقدم يأخذنا إلى سؤال لايخلو من الأهمية ، هو : هل ان عملية التحول هي جزء من عملية خداع سياسي ؟

الجواب : ليس مستبعدًا أن يكون الأمر خداعًا لأجبار العالم على القبول بالشروط الإيرانية ، ذلك لأن قدرة النظام الإيراني العسكرية في التهديد بفرض السيطرة الكاملة على المضيق ضئيلة ، لذا عليه تبني الخديعة والظهور بمظهر المقتدر أعلاميًا .

فألخداع السياسي هو النمط الذي دأب عليه النظام الإيراني على مدى 47 عامًا ، وهذا ما يبدوا جليًا في ورقة شروط التفاوض المطروحة .

يُعدّ الخداع من أبرز الظواهر التي رافقت الأنظمة السياسية عبر التأريخ ، حيث لجأت الحكومات والقادة إلى تضليل الشعوب والتلاعب بالمعلومات لتحقيق أهداف معينة ، في مقدمتها ألبقاء في السلطة وتعزيز النفوذ ، ومع تطور وسائل الإعلام والتكنولوجيا ، أصبح هذا النوع من الخداع أكثر تأثيرًا وانتشارًا .

يعتمد الخداع السياسي بالدرجة الأولى على استخدام المعلومات المضللة وإخفاء الحقائق وتحريفها ، بهدف التأثير على الرأي العام وتوجيه سلوك الجماهير بما يخدم مصالح قادة النظام .

وقد يكون هذا الخداع مباشرًا عبر التصريحات ، أو غير مباشر عبر وسائل الإعلام .

في النهاية ، يبقى الخداع السياسي سلاحًا ذا حدّين ؛ فقد يحقق أهدافًا قصيرة المدى ، لكنه على المدى البعيد يهدد استقرار المجتمعات وثقة الشعوب في أنظمتها .

ومع التطور التكنولوجي ، تزداد الحاجة إلى وعي مجتمعي أكبر وقدرة على التمييز بين الحقيقة والتضليل ، من أجل حماية المجتمعات من مخاطر هذا النوع من الخداع ..

زر الذهاب إلى الأعلى