د. عبدالرزاق محمد الدليمي: محنة العراق ام المالكي؟

يمر العراق المحتل بأوضاع سياسية حرجة وبمنعطف هو الأكثر حدة منذ سنوات حيث تحول ترشيح نوري المالكي لرئاسة الوزراء إلى أزمة دولية بامتياز بعد دخول دونالد ترامب على الخط مباشرة.
ويمكن تحليل المشاكل والأزمات وفقا لهذه المعطيات:
أولاً: فيتو ترامب.. الصراحة الخشنة والعودة للضغوط القصوى فاعتراض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب (عبر منصة تروث سوشيال في 27 يناير 2026) لم يكن مجرد تصريح عابر، بل هو إعلان رسمي عن عودة سياسة الخطوط الحمراء وهي رسالة من واشنطن واضحة لأن الرئيس ترامب ربط بوضوح بين استمرار الدعم الاقتصادي والأمني للعراق وبين استبعاد المالكي الذي وصف سياساته بالمجنونة التي أدت سابقاً للفوضى العارمة واحد ابسط أمثلتها كان سقوط الموصل 2014 !!؟
كذلك ترى واشنطن في المالكي انه مهندس النفوذ الإيراني العميق وإعادته تعني نسفاً لكل محاولات لجم الفصائل المسلحة الولائية وتقليص نفوذ طهران التي تعاني أصلاً من ضغوط اقتصادية وضربات لبرنامجها النووي في 2025.
ثانياً: مسرحية القلة حيث وصفت ردود الفعل الشعبية و التحركات الإعلامية المؤيدة للمالكي بالمسرحية الباهتة وهذا التوصيف له مرتكزات واقعية في التحليل السياسي من حيث :-
١-الحشد المصطنع حيث تعمدت الماكينة الإعلامية التابعة لدولة القانون إظهار تظاهرات (مئات الأشخاص مدفوعي الثمن) على أنها غضب شعبي عارم ضد التدخل الأمريكي. والهدف هو تحويل الصراع من رفض كلي لشخص المالكي إلى دفاع عن السيادة ولاندري اين هي هذه السيادة المزعومة؟!
٢-المفارقة السياسية فبينما يحاول المالكي تصوير نفسه كحامي للسيادة المفقودة يدرك الشارع العراقي أن ترشيح المالكي وامثاله من اللصوص والمجرمين أحدث انقساماً حتى داخل مايسمى بالإطار التنسيقي نفسه …حيث تخشى أطراف مثل السوداني أو العبادي من دفع ثمن العقوبات الأمريكية التي لوح بها ترامب.
٣-الواقع الميداني فالغضب الحقيقي في الشارع العراقي يتركز على الوضع الاقتصادي وتغول الفصائل والفاسدين وليس على منع شخصية جدلية من العودة للسلطة مما يجعل تلك المشاهد بروباغندا سوداء موجهة للاستهلاك الخارجي أكثر منها تعبيراً عن نبض الشارع.
ثالثاً: توازنات الحكم وتأثير القوى الخارجية (المثلث الدولي) حيث تتزامن هذه الأزمة مع التحضير لانتخاب رئيس الجمهورية وهي المحطة التي تسبق تكليف رئيس الوزراء وهنا تبرز تدخلات الولايات المتحدة التي ستستخدم “سلاح الدولار” والاعتراف الدولي. وتضغط لفرض مرشح “تسوية” لا يستفز المحيط العربي ويحد من نفوذ الفصائل.
ثم هناك التوغل الإيراني حيث يعيش ملالي طهران ضغوطاً هائلة من احتجاجات داخلية وعقوبات أممية أعيدت في 2025 ولذلك تريد طهران حكومة ضمانات لمصالحها في بغداد لتحمي عمقها الاستراتيجي لكنها مستعدة لتضحي بالمالكي إذا شعرت أن الإصرار عليه سيؤدي لصدام عسكري أو انهيار مالي كامل في العراق.
ولاننسى دور بريطانيا العقل المدبر لكل المصائب حيث تلعب دور المهندس الهادئ البعيد عن الأضواء وتركز على استقرار تدفقات الطاقة والوساطة بين القوى الكردية والسنية لضمان عدم انهيار العملية السياسية التي كان لها دور كبير في صناعتها السيئة وتدعم توجهات واشنطن في ملف نزع سلاح الفصائل.
رابعاً: السيناريوهات المتوقعة
أ-سيناريو المواجهة والانسداد حيث إصرار الإطار التنسيقي على المالكي !! مما قد يدفع ترامب لتنفيذ تهديداته بقطع الدعم وهو ما يعني انهياراً سريعاً للدينار العراقي المتهالك أصلا ؟!
ب-سيناريو الاحتراق التكتيكي وهو الأرجح كما نعتقد حيث يتم استخدام ترشيح المالكي (كورقة تفاوض أظهر لك الموت لتقبل بالسخونة اي بالحمى) ليتم في النهاية سحبه مقابل تمرير شخصية إطارية (مثل التجديد للسوداني أو شخصية تكنوقراط بضمانات وموافقات إيرانية).
إن اعتراض ترامب وضع القوى الإطارية أمام خيار صعب إما التمسك بالمالكي والمغامرة بصدام مباشر مع إدارة أمريكية لا تتردد في استخدام القوة الاقتصادية والعسكرية أو البحث عن مخرج “سيادي” يحفظ ماء الوجه ويؤدي لاستبدال المرشح ونعتقد أن هذا ماسيحدث!!؟؟
