نزار العوصجي: كأس العالم

خلال مباريات كأس العالم ، ونحن نتابع المنتخبات وهي تتنافس على أكبر مسرح رياضي في العالم ، قد تمر أمام أعيننا مشاهد كثيرة دون أن نتوقف عند معانيها العميقة .
ننشغل بالنتائج ، والأهداف ، والمهارات ، والبطولات ، ونفرح لانتصار فريق ونحزن لخسارة آخر ، لكن خلف كل ذلك مشهد إنساني يستحق أن نتأمله طويلًا .
إنها صورة اللاعبين وهم يقفون جنبًا إلى جنب داخل الملعب ، يمثلون دولة واحدة ، ويدافعون عن قميص واحد ، رغم أن كثيرًا منهم قد ينحدرون من أصول عرقية وثقافية ، وأديان ومعتقدات مختلفة .
في المنتخب الواحد قد ترى لاعبًا ذا بشرة بيضاء إلى جانب لاعب أسود ، وآخر من أصول آسيوية أو أفريقية أو لاتينية ، وقد تجد بينهم من ولد في بلد ، ونشأ في بلد آخر ، ويحمل خلفية ثقافية مختلفة ، وربما يتحدث أكثر من لغة .
ومع ذلك ، عندما تبدأ المباراة ، تختفي كل هذه الفوارق خلف هوية واحدة : هوية الفريق .
وهنا تكمن واحدة من أجمل الرسائل التي يمكن أن تقدمها لنا كرة القدم .
فالإنسان ، في جوهره ، لا تحدده ملامحه ، ولا لون بشرته ، ولا أصله العرقي ، ولا اسم عائلته ، ولا المكان الذي ولد فيه .
هذه كلها تفاصيل خارجية قد تميز فردًا عن آخر ، لكنها لا تمنح أحدًا قيمة إنسانية أكبر من غيره ، فالقيمة الحقيقية للإنسان تكمن في إنسانيته .
عندما نشاهد منتخبًا وطنيًا يخوض مباراة في كأس العالم ، فإننا نرى أمامنا نموذجًا مصغرًا لما يمكن أن يكون عليه العالم لو تعلم البشر كيف يعيشون اختلافاتهم دون أن يحولوها إلى صراعات .
لاعبون مختلفون في أصولهم وألوانهم وخلفياتهم ، لكنهم يجتمعون حول هدف واحد .
كل واحد منهم يعرف أن نجاحه لا يتحقق منفردًا ، وأن الفريق لا يستطيع الفوز إذا عمل كل لاعب لمصلحته الخاصة .
في الملعب ، لا يستطيع المهاجم أن يقول إن المدافع مختلف عنه في اللون أو الأصل ، ولا يستطيع حارس المرمى أن يرفض حماية مرماه لأن زميله ينتمي إلى ثقافة أخرى .
الجميع يدرك أن قوة الفريق لا تأتي من تشابه أفراده ، وإنما من قدرتهم على التعاون رغم اختلافهم .
وهذا هو الدرس الذي تحتاج إليه البشرية في عالمنا اليوم .
فنحن نعيش في عالم ما زال يعاني من النزاعات القائمة على العرق والدين والقومية والطائفة واللغة والجغرافيا .
وما زال الإنسان ، في كثير من الأحيان ، ينظر إلى الآخر باعتباره غريبًا لمجرد أنه يختلف عنه في اللون أو المعتقد أو الأصل ، لكن ملاعب الرياضة تقدم لنا صورة مختلفة.
إنها تقول لنا إن الاختلاف يمكن أن يكون مصدر قوة ، وإن التنوع لا يعني بالضرورة الانقسام ، وإن اجتماع المختلفين حول هدف مشترك يمكن أن يصنع شيئًا أعظم من اجتماع المتشابهين ، فالإنسان قبل العرق .
ربما تكون إحدى أكبر مشكلات البشرية أنها بالغت في تصنيف الإنسان .
وضعنا للناس أسماء وحدودًا وتصنيفات ، ثم بدأنا نتعامل معهم من خلال تلك التصنيفات بدلًا من التعامل معهم بوصفهم بشرًا .
هذا أبيض ، وهذا أسود .
هذا عربي ، وهذا أوروبي .
هذا آسيوي ، وهذا أفريقي .
هذا شرقي ، وهذا غربي .
ثم أضفنا إلى هذه التصنيفات الدين والطائفة والقومية واللغة والجنسية ، حتى أصبح الإنسان يحمل فوق كتفيه عشرات الهويات التي قد تتحول ، في بعض المجتمعات ، إلى جدران تفصل الإنسان عن أخيه الإنسان .
لكن عندما يدخل اللاعب إلى الملعب ، لا يدخل معه كل هذا التاريخ من التصنيفات ، يدخل لاعبًا ، إنسانًا ، موهبة ، شخصًا يريد أن ينجح .
وهذا ما يجعل الرياضة واحدة من أكثر الظواهر الإنسانية قدرة على جمع الناس .
فالجمهور الذي يجلس في المدرجات قد يكون مختلفًا في كل شيء تقريبًا ، لكنه في لحظة واحدة يصرخ فرحًا لهدف سجله لاعب قد لا يشبهه في شيء ، لكنه يشعر أنه يمثله .
هنا ، تسقط المسافات ، وتتراجع الحدود ، وتتقدم الإنسانية .
ليس المقصود من هذا الكلام أن نتجاهل الهويات الوطنية أو الثقافية أو القومية ، فالإنسان بطبيعته يحتاج إلى الانتماء ، ويعتز بوطنه وثقافته وتاريخه ، وهذه أمور مهمة في بناء شخصيته ووجوده .
لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الهوية من مساحة للانتماء إلى أداة لإلغاء الآخر .
أن أحب وطني لا يعني أن أكره وطنك .
أن أعتز بأصلي لا يعني أن أحتقر أصلك .
أن أفتخر بثقافتي لا يعني أن أرفض ثقافتك .
أن أتمسك بديني لا يعني أن أنكر حقك في أن تعيش وفق معتقدك .
الإنسانية لا تطلب منا أن نكون نسخة واحدة من بعضنا ، بل تطلب منا أن نحترم اختلافاتنا ، وأن ندرك أن التنوع جزء من طبيعة الحياة .
وهذا بالضبط ما نراه في كرة القدم .
لاعبون مختلفون ، لكنهم فريق واحد .
ثقافات متعددة ، لكن هدف واحد .
أصول مختلفة ، لكن قميص واحد .
وهذه ربما تكون الصورة التي يحتاج العالم إلى أن يتعلم منها .
في كرة القدم ، لا يمكن لفريق أن ينجح إذا كان جميع لاعبيه متشابهين في المهارات ، فالفريق يحتاج إلى مهاجم يعرف كيف يسجل ، ومدافع يعرف كيف يمنع الخطر ، وحارس يحمي المرمى ، ولاعب وسط يربط بين الجميع .
كل لاعب مختلف عن الآخر ، لكن اختلافه هو الذي يجعل الفريق أقوى ،
وهكذا هي الحياة .
العالم ليس بحاجة إلى أن يكون جميع البشر متشابهين حتى يعيشوا بسلام . بل ربما يحتاج إلى العكس تمامًا : أن يتعلم البشر كيف يحولون اختلافاتهم إلى مصدر قوة وتكامل .
فكما أن الفريق الرياضي الناجح يحتاج إلى تنوع المهارات ، فإن المجتمعات الناجحة تحتاج إلى تنوع الأفكار والثقافات والخبرات .
المشكلة ليست في الاختلاف ، المشكلة في عدم القدرة على إدارة الاختلاف .
لو نقلنا هذا الدرس من الملعب إلى الحياة ، لوجدنا أن كثيرًا من أزمات العالم يمكن أن تتغير لو تعلمنا التفكير بهذه الطريقة .
ففي الملعب ، لا يسأل اللاعب زميله عن عرقه قبل أن يمرر له الكرة .
ولا يسأله عن دينه قبل أن يحتفل معه بالهدف .
ولا يطلب منه أن يثبت أنه ينتمي إلى المجموعة قبل أن يساعده .
كل ما يهم هو أن يكون هناك تعاون وثقة وهدف مشترك .
فلماذا لا نستطيع أن نعيش بهذه الروح خارج الملاعب ؟
لماذا يستطيع الإنسان أن يتعاون مع شخص مختلف عنه داخل الملعب ، ثم يعود بعد المباراة ليؤمن بأن الاختلاف سبب للعداء ؟
لماذا نستطيع أن نشجع لاعبًا من أصول مختلفة لأنه يمثل منتخبنا ، ثم نرفض إنسانًا آخر لأنه ينتمي إلى أصل مختلف ؟
إنها مفارقة تستحق التأمل .
فربما كانت كرة القدم تكشف لنا تناقضًا عميقًا في السلوك البشري : نحن قادرون على تجاوز اختلافاتنا
