د. عبدالرزاق محمد الدليمي: الشرق الأوسط الجديد خريطة الدم والرمال المتحركة

منذ عقود ….يتردد مصطلح “الشرق الأوسط الجديد” كتعويذة سياسية تظهر في كل مرة تقف فيها المنطقة على حافة الهاوية. طُرحت الفكرة أول مرة بلمسة “رومانسية” على لسان شمعون بيريز في التسعينيات مبشرة بالازدهار الاقتصادي ثم أعادت كوندليزا رايس صياغتها في 2006 بعد احتلال العراق وتحت وابل القنابل في حرب تموز !!! واصفة الدمار بأنه “مخاض ولادة الشرق الأوسط الجديد؟؟؟ واليوم يعود المصطلح ليطفو على السطح مجدداً وسط ركام ماتبقى من غزة والتغيير الحاسم في سوريا ومحاصرة وتهميش حزب الله في جنوب لبنان والمخاضات الصعبة في العراق المحتل والانهيارات الداخلية وتقليم أظافر نظام الملالي في طهران والتوترات في البحر الأحمر المفتعلة والانهيارات الاقتصادية في دول الجوار.
إن العنوان يبدو في ظاهره !!! فضفاضاً وبراقاً ويوحي بالتحديث والاندماج الاقتصادي والممرات التجارية العابرة للقارات. لكن عند إزالة القشرة الدبلوماسية الرقيقة عنه نجد واقع مغاير تماماً ! واقع لا يبشر بخير ؟بل ينذر بمرحلة تاريخية تتحول من الفوضى الخلاقة إلى “مأسسة الفوضى” وإعادة هندسة الخرائط بالدم لا بالحبر وهنا تبرز اهم ملامحها في:-
اولا:وهم الاستقرار أي الهدوء الذي يسبق العاصفة الدائمة حيث يرتكز مفهوم “الشرق الأوسط الجديد” في نسخته الحالية المطورة (بعد عودة ترامب )على فرضية “السلام الاقتصادي” وتجاوز الصراعات الأيديولوجية القديمة لصالح الشراكات التجارية (مثل الممر الاقتصادي بين الهند والخليج وأوروبا). لكن هذا التصور من وجهة نظرنا يصطدم بحقيقة جيوسياسية صلبة وهي أنك مهما كنت لا تستطيع بناء ناطحات سحاب فوق أرضية زلزالية. اذن الواقع يشير إلى أن المنطقة لم تشهد تسويات حقيقية بل انها شهدت تجميداً مقلقا للصراعات. كالوضع الهجين في العراق وغزة والحروب الأهلية في سوريا واليمن وليبيا جميعها لم تنتهِ بل تحولت إلى صراعات مرحليا منسية منخفضة الوتيرة قابلة للانفجار في أي لحظة. وما حدث في السابع من أكتوبر وتداعياته المستمرة أثبت بما لايقبل التأويل فشل نظرية “القفز المصطنع فوق القضية الفلسطينية” إذ تبين أن محاولة هندسة نظام إقليمي جديد ؟؟!! يتجاهل حقوق الشعوب الأساسية هو مجرد بناء قصور من الرمال. فالشرق الأوسط الجديد بهذا المعنى ليس يكون نظاماً مستقراً ؟! بل هو ساحة لتنفيس الأزمات الدولية (ادارة الصراعات لا حلها)
ثانيا:موت “الدولة الوطنية” وصعود الكيانات الهجينة وربما هذا من أخطر ما في “الواقع الجديد” حيث التآكل المستمر لمفهوم الدولة الوطنية التي رسمتها اتفاقيات سايكس بيكو. فالخريطة الجديدة للمنطقة لم تعد تتكون من دول ذات حدود سيادية واضحة بل من مناطق نفوذ هجينة غير مستقرة وهذا ماظهر واضحا في العراق وسوريا ولبنان واليمن وربما سيظهر لاحقا في غيرها ! ولذلك تجد أن القرار السيادي فيها لم يعد مركزياً وربما غير موجود والذي حل محله واقع “اللا دولة” أو “الدولة الفاشلة” (العراق نموذجا )حيث تتقاسم السلطة جيوش نظامية ضعيفة مخترقة ومليشيات عقائدية عابرة للحدود وقوى عشائرية ومناطقية وتدخلات خارجية مباشرة ؟!؟!
اذن هذا الشرق الأوسط الجديد كما هو واضح أصبح فيه السلاح المنفلت هو “العملة الصعبة” المتداولة. هذا الواقع يشرعن وجود “الدويلات داخل الدول وكما هو معروف إذا ارتفع في اي دولة اكثر من علم واحد فعلى تلك الدوله ؟؟؟!! وهذا ما يجعل الاستقرار الأمني ضرباً من الخيال. الملفت هو ان تصبح المليشيات أقوى من الجيوش وتصبح الولاءات الفرعية (للطائفة أو الحزب أو المرجع) أقوى من الولاء للوطن وهذا يعني اننا اصبحنا أمام ظاهرة مثالية لحروب أهلية مستمرة لأجيال !
ثالثا:الشرق الأوسط الجديد عنوان لفجوة الثراء والانهيار ذلك لأن هذا المفهوم “الشرق الأوسط الجديد” يكرس انقساماً طبقياً حاداً بين دول المنطقة مما اوجد بيئة خصبة للحقد الاجتماعي والتطرف. بما يعني اننا الآن أمام “شرق أوسطين”يتجسدان في:-
أ-دول الخليج العربي التي تسابق الزمن لبناء اقتصادات ما بعد النفط وتشييد مدن ذكية
واستقطاب الاستثمارات والتكنولوجيا …وهي تحاول عزل نفسها بشكل منظم عن محيطها الملتهب.
ب-مايسمى بدول الهلال الخصيب ومصر وشمال أفريقيا التي ماتزال تغرق في ديون سيادية !!! وتضخم غير مسبوق وأزمات عملة وبنية تحتية متهالكة وووو؟؟!!!
إن حديثنا عن هذا التفاوت الهائل ليس لمجرد إثبات بالإحصائيات الاقتصادية بل هو بمثابة قنابل موقوتة لا يمكن لمنطقة أن تزدهر وجزء منها يعيش في القرن الثاني والعشرين (مثل نيوم ودبي) والجزء الملاصق له يعيش في ظلام القرون الوسطى (قرى العراق ولبنان وسوريا واليمن). فالفقر والبطالة في منظومة دول الانهيار سيظلان المصنع الأول للقلق والأزمات وللمهاجرين غير الشرعيين وتجار المخدرات (كما نرى في حرب الكبتاجون على حدود العراق ودول اخرى ناهيك عن الجماعات والمليشيات المتطرفة التي تجد في الشباب اليائس وقوداً لها. فالشرق الأوسط الجديد بهذه النسخة الهجينة المغلفة لا يقدم حلاً لهذه الفجوات بل يبدو أنه يتجه لتعميقها عبر بناء الجدران الحدودية والأنظمة الأمنية الصارمة بدلاً من اعتماد التنمية الشاملة.
رابعا استمرار صراع الأقطاب الإقليمية فالفراغ القاتل تاريخياً كان “النظام” في الشرق الأوسط يُفرض من قوة خارجية عظمى (بريطانيا سابقاً، ثم الولايات المتحدة). اما اليوم فنعيش مرحلة “الانسحاب الأمريكي التدريجي” أو إعادة التموضع حسبما قررته ادارة ترامب وهذا الانسحاب لم يملأه السلام بل ملأته أطماع القوى الإقليمية مثل دولة ايران وتركيا .
اذن الشرق الأوسط الجديد هو ساحة مصارعة ثيران مفتوحة بين ثلاثة مشاريع رئيسية متنافسة متناحرة هي:-
١-المشروع الطائفي الإيراني القائم على التمدد العقائدي والعسكري عبر الأذرع والفصائل والمليشيات التوسعيه للوصول إلى البحر المتوسط والهيمنة المطلقة على خليج البصرة (الخليج العربي)
٢-المشروع الإسرائيلي القائم على التفوق التكنولوجي والعسكري ومحاولة فرض نفسه كقائد أمني واقتصادي للمنطقة مستغلاً ومستفيدا بما يقوم به نظام الملالي في إيران.
٣-المشروع التركي الذي يحاول استعادة نفوذه التاريخي السابق (ايام الدولة العثمانية )عبر القوة الناعمة تارة والتدخل العسكري المباشر تارة أخرى.
ان غياب دور الامم المتحدة ومجلس الامن والمنظمات الدولية التي يفترض انها تؤدي دور الشرطي الدولي يعني أن هذه القوى الطامحة ستستمر في الاشتباك المباشر أو بالوكالة على أراضي الدول العربية الضعيفة. وتحديدا العراق وسوريا وغيرهما لاسيما وهما لايعنيان سوى “رقعة شطرنج” لهذه القوى. نعم ان الواقع الجديد يقول إن سيادة الدول العربية التقليدية قد انتهت وأن أمنها القومي بات رهينة لتوافقات أو صراعات بين طهران وتل أبيب وأنقرة.
خامسا: القنبلة الديموغرافية والبيئية وهي اشبه بالعدو الصامت فبينما ينشغل اغلب الساسة برسم المحاور والتحالفات يغفل “الشرق الأوسط الجديد” عن التهديد الوجودي الحقيقي الذي لا يمكن صده بالصواريخ المتمثل بكوارث المياه والمناخ.
فكل المنطقة مهددة لانها تسجل أعلى معدلات ارتفاع في درجات الحرارة عالمياً. ونهرا دجلة والفرات يلفظان أنفاسهما الأخيرة بسبب منع وصول حصتهما القانونية من المياة بسبب السدود التركية والإيرانية التي أنشئت لاهداف سياسية واقتصادية اضافة إلى سوء الإدارة المحلية للموارد ومنها المياه في النظام الفاشل المتهاون المدلس في العراق بعد احتلاله ؟! اذن التصحر يلتهم الأراضي الزراعية في العراق ومصر.
والسؤال المهم جدا ماذا يعني هذا؟
انه يعني ببساطة هجرة مناخية بالملايين. فأناس عندما يعطشوا وتجف مزارعهم سينزحون إلى المدن المكتظة أصلاً مما يفجر اضطرابات اجتماعية عنيفة كما حدث ومازال يحدث بالعراق . فالشرق الأوسط الجديد سيكون شرقاً أوسط غير قابل للحياة في أجزاء واسعة منه بحلول عام 2050. نعم ايها الاخوة الواقع لا يبشر بخير لأن الحكومات الحالية مشغولة بالبقاء السياسي لأطول فترة وتغتني ولا يهما ما سيحدث في القريب العاجل لعشرات الملايين من سكان المنطقة وهذه الأنظمة وحكوماتها ليس في قاموسها ولا تفكر بأي استراتيجيات حقيقية لمواجهة الكوارث البيئية القادمة.
هل من ضوء في آخر النفق؟
إن قراءة مؤشرات “الشرق الأوسط الجديد” تقودنا إلى استنتاج مؤلم للأسف فالمصطلح ليس سوى غطاء ناعم ودبلوماسي لواقع يتسم بـما يسمى بالسيولة الشديدة لان الحدود لم تعد تحمي والدول لم تعد تسيطر والاقتصاد لم يعد يسد رمق الجميع.
نعم الخطر ليس في أن يتغير الشرق الأوسط بل في جوهر وطبيعة هذا التغيير. نحن نتجه ياسادة ياكرام نحو نموذج الغابة المتوحشة حيث البقاء للأقوى عسكرياً والأكثر تحصيناً اقتصادياً …والدول التي لن تمتلك مشروعاً وطنياً داخلياً جامعاً وجيشاً وطنيا محترفاً واقتصاداً منتجاً وواعدا ستتحول إلى مجرد جغرافيا مشاعة تتقاسم خيراتها القوى الإقليمية وتدير صراعاتها فوق أرضها.
لذلك، فإن رؤيتنا التشاؤمية هنا ليست دعوة لليأس ؟! بل هي محاولة متواضعة لدق جرس الإنذار المبكر فالرهان على الحلول الخارجية أو المظلة الأمريكية أو “التطبيع” كحلول سحرية هو رهان من وجهة نظرنا خاسر. لان الشرق الأوسط الجديد لن يكون خيراً لشعوبه إلا إذا ؟! نبع التغيير وطنيا من الداخل عبر بناء مؤسسات حقيقية ومحاربة فساد ينخر عظام الدول المعنية واستعادة مفهوم المواطنة من براثن الطائفية والمناطقية . دون ذلك فإن العنوان الفضفاض لن يستر عورة الواقع طويلاً والقادم قد يكون أسوأ من مجرد القول انه “لا يبشر بخير”بل قد يكون جحيماً لا يرحم.
ونحن نذكر أن نفعت الذكرى
