مقالات رئيس التحريرموضوعات رئيسية

د. علي الجابري: إيران.. بين خطة “فرار” خامنئي ومعركة الخلافة الصامتة!

ليست خطورة المعلومات الاستخبارية الي كشفتها صحيفة “ذا تايمز” البريطانية، حول وضع خطة طوارئ محتملة لهروب المرشد الايراني علي خامنئي الى روسيا تكمن في الخطة ذاتها، بقدر ما تكمن في المنطق السياسي الذي أنتجها، فحين يبدأ رأس نظام ديكتاتوري قمعي مغلق بالتفكير في مخرج شخصي له، فذلك يعني أن سؤال البقاء لم يعد مطروحاً على النظام ككل، بل على قمته أولاً.

بحسب التقرير الاستخباري الذي كشفت عنه الصحيفة البريطانية، فإن الخطة المحتملة تفترض سيناريو تصاعد الاضطرابات الداخلية بشكل أوسع مما يجري حالياً، لتتحول القضية من احتجاجات شعبية إلى مرحلة أكثر خطورة، تكمن في تآكل الولاء والطاعة داخل الاجهزة الأمنية والعسكرية التي يعتمد عليها النظام في قمع واسكات أي انتفاضة شعبية! وهذا التفصيل بالذات هو جوهر القلق الحقيقي، لان تاريخ الانظمة القمعية المشابهة لنظام خامنئي يُظهر أن الشارع وحده لا يسقط الأنظمة، لكن انقسام أدوات القمع أو حيادها هو الذي يساهم في سقوطها.

ومن هنا يمكن القول ان الانظمة “الثورية” ، وخصوصاً تلك التي تستند الى شرعية “دينية أيديولوجية” مثل نظام خامنئي، لا تعترف نظرياً بإمكانية السقوط، لكن وجود خطة هرب لزعيمها – حتى لو كانت احترازية – يعني أن هذ القاعدة العقائدية بدأت تتآكل، وان المرشد الذي قُدِّم على مدى عقود على أنه “الضامن” للنظام، بات وفق هذا التقدير يفكر في ضمان نجاته الشخصية قبل ضمان استمرار البنية السياسية او النظام بأكمله.

تكرار سيناريو بشار

التقرير نفسه الذي ربط بين سابقة هروب الرئيس السوري السابق بشار الأسد إلى روسيا، ومخطط هروب خامنئي، لا يمكن تفسيره الا من ناحية ان هذه الانظمة المتهالكة باتت ترى في روسيا محطتها النهائية الآمنة، لا مجرد حليف سياسي، وهذا يعكس تحول العلاقة بين روسيا وايران من شراكة استراتيجية إلى علاقة اعتماد وجودي في أسوأ السيناريوهات.

صحة خامنئي

كذلك تكشف الخطة عن عوامل متعددة ابرزها تدهور صحة علي خامنئي وعزلته خلال الانتفاضة الشعبية التي اندلعت منذ اكثر من أسبوع في عموم المدن الايرانية، وأخذت بالتصاعد، وتفاقم الأمة الاقتصادية الخانقة التي أنهكت الشعب الايراني نتيجة السياسات العدوانية والتوسعية للنظام، وتخصيص اغلب ثروات البلاد للحروب والصراعات وتمويل اذرع النظام في المنطقة.. وهذه العوامل زادت من انقسام المجتمع وغضبه من النظام ، وتمتد هذه النقمة الشعبية لتصل الى داخل اروقة النظام، التي باتت تعترف بالفشل وبصعوبة الاوضاع الاقتصادية.

وكل ذلك يطرح تساؤلات قاتمة تتحدث عن خلافة خامنئي في حال تحقق هذه الخطة؟! لانها لا تطرح فكرة سقوط النظام فقط، وإنما : مَن يملأ الفراغ إن غاب خامنئي فجأة؟

ما بعد خامنئي

من منظور تحليلي، يمكن الحديث عن ثلاثة سيناريوها رئيسية لمرحلة ما بعد خامنئي ، وهي كالتالي:

السيناريو الأول: إنتقال داخل النظام وتعيين مرشد جديد بتوافق مجلس الخبراء والحرس الثوري، للحفاظ على البنية الحالية للنظام، لكن هذا السيناريو لا يخلو من صعوبات في ظل التنافس المكتوم داخل اجهزة النظام .

السيناريو الثاني: في حال غياب المرشد الاعلى الذي يعد صاحب الكلمة الفصل في توجهات النظام، قد نشهد انتقالاً للسلطة لتكون بيد تحالف أمني عسكري تستخدم فيه المؤسسة الدينية كغطاء شكلي، وهذا السيناريو مرجح تماماً ان ينفذه الحرس الثوري ، لكنه يعني تعميق الطابع القمعي واستمرار الازمة الاقتصادية والانسانية ، مما يضعف النظام لاحقاً ويحد من قدرته على الاستمرار.

السيناريو الثالث : أن لا يحدث سقوط مفاجئ، بل تآكل بطئ في مركز القرار، مع صراعات داخل مراكز القوى ، ترافقها احتجاجات متكررة وتراجع قدرة النظام على ضبط تلك الاحتجاجات ، فتصبح خطة الفرار جزءاً من ثقافة الحكم.

السيناريو الرابع: هو ان تتصاعد الاحتجاجات ، وتتصاعد عمليات القمع ، ما يدفع الولايات المتحدة الى التدخل لاسقاط النظام او توفير البيئة الملائمة للمحتجين لاسقاط النظام، او تنتهي بحرب مع اسرائيل تؤدي الى تقويض النظام والقضاء عليه.

الخلاصة

سواء صحت تفاصيل التقرير الاستخباري أم لا، فإن قيمته السياسية تكمن في كونه يعكس تصوراً غربياً متقدماً عن هشاشة المرحلة المقبلة في ايران، والاهم ان فكرة “اليوم التالي لخامنئي” لم تعد سؤال المختصين ومراكز الأبحاث فقط، بل يبدو انها دخلت في حسابات النخبة الحاكمة نفسها. وبالتالي فإن ذلك يعطينا انطباعاً بأن ايران لا تقف اليوم فقط امام تحدي الاحتجاجات او العقوبات، بل أمام اختبار أخطر، وهو قدرتها على أنتاج سلطة “ما بعد المرشد” دون أن تنهار من الداخل، وفي مثل هذه اللحظات تصبح كل خطة طوارئ حتى لو لم تنفّذ، وثيقة إدانة سياسية لمرحلة كاملة وصلت الى مراحلها النهائية في الفشل.

زر الذهاب إلى الأعلى