يونس السيد: جدل الديمقراطية الفرنسية

أثار الحكم القضائي على زعيمة «التجمع الوطني» اليميني المتطرف في فرنسا مارين لوبان بالسجن أربع سنوات، (اثنتان مع وقف التنفيذ)، ومنعها من الترشح لانتخابات الرئاسة لمدة خمس سنوات، بتهمة اختلاس أموال عامة، عاصفة من الجدل حول الديمقراطية الفرنسية، في الداخل والخارج، على حد سواء.
وبغض النظر عن الخلاف حول الحكم القضائي، وما إذا كان مسيّساً كما تدعي لوبان، أو أنه يؤكد استقلالية القضاء، فإنه جاء بمثابة زلزال سياسي من المرجح أن تكون له تداعيات كبيرة ربما تتجاوز الساحة الداخلية إلى الفضاء الأوروبي، في ظل صعود اليمين المتطرف في معظم أنحاء القارة.
ففي الداخل الفرنسي، أبدى رئيس الوزراء فرانسوا بايرو، «انزعاجه» من الحكم، رغم أنه امتنع عن التعليق على قرار المحكمة، كما نقلت عنه أوساطه المقربة. وبات يخشى من أن تؤدي ارتدادات هذا الحكم إلى نتائج عكسية من شأنها توسيع القاعدة الشعبية لليمين المتطرف بما يؤثر سلباً في التوازنات الدقيقة التي نشأت عقب الانتخابات التشريعية الأخيرة والتي أفضت إلى ثلاث كتل كبيرة، منعت كلاً من اليمين المتطرف واليسار المتطرف من الحصول على الأغلبية البرلمانية، بينما بقي تحالف حزب الرئيس ماكرون يحتل المركز الثاني مع الاعتماد على جزء من أحزاب اليسار في تشكيل حكومته الائتلافية.
كما أن حرمان لوبان من الأهلية السياسية مع التنفيذ الفوري، وبالتالي منعها من الترشح للانتخابات الرئاسية، رغم أنها من أبرز المرشحين لهذه الانتخابات، قد يدفع «التجمع الوطني» إلى النزول إلى الشارع لحشد أوسع قاعدة شعبية، لتأكيد قدرته على إثبات الذات، ما يؤدي إلى حالة من الاضطراب وعدم الاستقرار، وربما يؤدي إلى مصادمات مع قوى الأمن، في لحظة تحتاج فيها فرنسا إلى الهدوء والوحدة الداخلية في مواجهة المتغيرات العالمية المتسارعة.
كما أنه قد يؤدي إلى مصاعب أمام السياسة الخارجية الفرنسية، وتعاملها مع القضايا الدولية، خصوصاً في ظل تولي أحزاب اليمين المتطرف مقاليد السلطة في بعض الدول الأوروبية، واستعدادها لتولي السلطة في دول أخرى، ناهيك عن هيمنتها على البرلمان الأوروبي، وهو ما يمكن أن يلاحظ في ردود فعل قوى اليمين المتطرف في ألمانيا وهولندا وإيطاليا والمجر وحتى في الولايات المتحدة وغيرها.
في كل الأحول، تجد لوبان نفسها بعد الحكم أمام خيارات قضائية محدودة، ولعل أبرز الآليات القانونية التي يرجح أن توظفها لوبان للطعن في الحكم الصادر ضدها، طلب استئنافه، أو التماس تعليق التنفيذ الفوري، وفق الخبراء، ما يعني إمكانية ترشحها للاستحقاقات الرئاسية المقبلة. لكن ذلك قد لا ينهي المشكلة، إذ إن الجدل سيظل قائماً حول الديمقراطية الفرنسية واستقلالية القضاء، وما إذا كان هذا الحكم القضائي قد أصابها في الصميم، في حال ثبوت توظيفه في خدمة أهداف سياسية. وبالتالي فإن الهزة السياسية التي ضربت فرنسا ستظل تتفاعل ربما حتى الانتخابات التشريعية والرئاسية المقبلة على أقل تقدير.
نقلا عن الخليج