نزار العوصجي: الشرف ليس جسدًا

في كل مرة يُذكر فيها الشرف ، تتجه أنظار كثيرة إلى الجسد ، وكأن الإنسان اختُزل في أعضائه ، وكأن تاريخ القيم الإنسانية الطويل انتهى عند حدود الجسد .
مع مرور الزمن ، ترسخت في بعض المجتمعات فكرة مفادها أن الشرف يقيم في موضع بيولوجي معين ، وأن كرامة الإنسان يمكن أن تُبنى أو تنهار وفق نظرة المجتمع إلى هذا الجانب وحده ، لكن الحقيقة أوسع من ذلك بكثير ، وأعمق من أن تُختزل في عضو من أعضاء الجسد .
فالشرف في جوهره ، ليس لحمًا ولا دمًا ، وليس جزءًا تشريحيًا يمكن أن يُرى أو يُلمس أو يُقاس .
الشرف فكرة تسكن الضمير ، وقيمة تنبض في السلوك ، ونور يتجلى في طريقة تعامل الإنسان مع نفسه ومع الآخرين .
إنه القدرة على أن تكون صادقًا حين يكون الكذب أكثر نفعًا ، وأمينًا حين تكون الخيانة أكثر إغراءً ، وعادلًا حين يكون الظلم طريقًا مختصرًا إلى المكاسب ..
أي معنى للشرف يبقى إذا كان الإنسان يكذب ويغش ويخون ويظلم وينافق ويزور ، ثم يطالب المجتمع بأن يصفه بالشريف ؟
وأي منطق أخلاقي يجعل الفساد المالي أقل خطورة من فساد الضمير ، أو يجعل انتهاك حقوق الناس أقل شأنًا من الأحكام المرتبطة بالجسد؟
إن الإنسان لا يفقد شرفه عندما يفقد جزءًا من جسده ، بل يفقده عندما يفقد صدقه ، وعندما يبيع ضميره ، وعندما يتخلى عن إنسانيته .
لقد عرفت البشرية عبر تاريخها رجالًا ونساءً حملوا الشرف في قلوبهم ، لا في أجسادهم .
كان شرفهم في مواقفهم حين دافعوا عن الحق ، وفي شجاعتهم حين رفضوا الظلم ، وفي نزاهتهم حين قاوموا الإغراء ، وفي رحمتهم حين امتلكوا القدرة على الأذى فاختاروا العفو .
هؤلاء لم تخلدهم أجسادهم ، بل خلدتهم قيمهم .
إن اختزال الشرف في الجانب الجنسي وحده لا يظلم الأفراد فحسب ، بل يظلم الفكرة نفسها .
فهو يهمش فضائل عظيمة مثل الأمانة والوفاء والعدالة والرحمة ، ويحوّل مفهومًا إنسانيًا شامخًا إلى معيار ضيق لا يتسع لتعقيد الإنسان وغنى تجربته الأخلاقية .
والأسوأ من ذلك أنه قد يجعل المجتمعات تتسامح مع الكذب والفساد والخيانة ، لكنها تشتعل غضبًا بسبب أمور لا تمثل وحدها جوهر الأخلاق ولا معيار الإنسانية ..
إن الأمم لا تسقط لأن أجساد أبنائها لا تطابق معايير اجتماعية معينة ، بل تسقط حين يصبح الكذب عادة ، والخيانة أمرًا عاديًا ، والفساد وسيلة للنجاح ، والظلم ممارسة مقبولة .
وحين تضيع الأمانة ويُهان الإنسان ويُكافأ المخادع ، فإن الشرف الحقيقي يكون قد تعرض للطعن ، مهما رفعت المجتمعات من شعارات حول صونه وحمايته .
الشرف ليس شيئًا نحمله في أجسادنا ، بل شيئًا نحمله في ضمائرنا .
إنه ما يدفع الإنسان إلى احترام كرامة الآخرين ، وإلى الوقوف إلى جانب الحقيقة ولو خسر بسببها ، وإلى أن يكون إنسانًا مستقيمًا حتى عندما لا يراه أحد .
فالجسد يفنى ، والمظاهر تتبدل ، أما القيم فهي التي تبقى ، وهي التي تمنح الإنسان مكانته الحقيقية .
إن الشرف ليس عضوًا في الجسد ؛ إنه حالة من النبل الأخلاقي .
إنه الصدق حين يعم الكذب ، والأمانة حين يشيع الغدر ، والرحمة حين يسود القسوة ، والعدل حين ينتشر الظلم .
وما دام الإنسان قادرًا على أن يختار بين الخير والشر ، فإن شرفه الحقيقي سيظل مقيمًا في ضميره ، لا في جسده ..
في سياق الحديث ، لا يمكن إنكار أن العراق خلال العقدين الماضيين واجه تحولات اجتماعية واقتصادية قاسية ، رافقتها ظواهر مقلقة ، من بينها تنامي أشكال من الاستغلال الجنسي والاتجار بالبشر والممارسات المرتبطة بالفقر والتهميش ، غير أن المأساة الحقيقية لا تكمن في وجود هذه الظواهر وحدها ، بل في السؤال الذي تفرضه علينا : لماذا ظهرت وتوسعت ؟
حين يعيش الناس تحت وطأة الفقر والبطالة وانعدام الأمان وتراجع فرص الحياة الكريمة ، فإن النسيج الاجتماعي بأسره يصبح أكثر هشاشة وأكثر عرضة للتصدع .
ولا يمكن فصل الظواهر الاجتماعية المؤلمة عن الظروف التي أنتجتها ؛ فالمجتمع لا يولّد أزماته من فراغ ، بل من تراكمات طويلة من الإخفاقات السياسية والاقتصادية والأخلاقية .
إن من التناقض المؤلم أن ينشغل البعض بمراقبة أجساد الناس بوصفها مقياسًا للشرف ، بينما يغضّ الطرف عن الظروف التي تدفع إنسانًا إلى اليأس ، أو تضعه أمام خيارات قاسية تمس كرامته وحقه في العيش الكريم ، فالفقر الذي يسلب الإنسان أمنه ، والفساد الذي يسرق مستقبله ، والظلم الذي يغلق أمامه أبواب الأمل ، كلها اعتداءات عميقة على الشرف الإنساني .
إن الشرف ليس مجرد إدانةٍ لنتائج مؤلمة تظهر في المجتمع ، بل هو قبل ذلك مسؤولية أخلاقية عن بناء مجتمع عادل ، يحفظ كرامة الإنسان ، ويوفر له أسباب العيش الكريم ، ويمنع أن تتحول الحاجة والعوز إلى بوابة للاستغلال أو الانكسار .
فحين يعجز الوطن عن حماية كرامة أبنائه ، فإن القضية تتجاوز السلوك الفردي لتصبح سؤالًا كبيرًا عن شرف المجتمع كله وضميره ..
في العراق ، وعلى مدى أكثر من عقدين ، عاش الناس مفارقة مؤلمة تكاد تختصر أزمة فهمنا لمعنى الشرف .
فقد انشغل كثيرون بحراسة مفهوم ضيق للشرف ، يراقب الجسد ويُخضعه للمحاسبة الاجتماعية الصارمة ، بينما كانت في الجهة الأخرى ثروات وطن بأكمله تتعرض للهدر والفساد والنهب ، وكانت أحلام الملايين تُستنزف في دوامة من الفقر والبطالة وتردي الخدمات .
أيُّ شرفٍ يبقى حين يُحرم طفل من مدرسة تليق بإنسانيته ؟
وأيُّ شرفٍ يبقى حين يقف مريض عاجزًا أمام مستشفى يفتقر إلى أبسط الإمكانات ؟
وأيُّ شرفٍ يبقى حين تتعثر حياة الشباب بسبب الفساد وسوء الإدارة وتبديد الموارد التي كان يمكن أن تصنع لهم مستقبلًا مختلفًا ؟
إن سرقة المال العام ليست جريمة مالية فحسب ، بل هي اعتداء على كرامة الإنسان .
إنها سرقة لفرص العمل ، وللدواء ، وللتعليم ، وللأمن ، وللمستقبل .
إنها انتهاك لشرف الأمة بأكملها ؛ لأن الوطن ليس مجرد أرض وحدود ، بل هو حياة الناس وحقوقهم وآمالهم .
لقد أصبح من المؤلم أن يُختزل الشرف في أجساد الأفراد ، بينما تُرتكب في حق المجتمع تجاوزات تمس جوهر الكرامة الإنسانية .
فالفساد ليس مجرد مخالفة إدارية ، بل خيانة للأمانة .
وإهدار ثروات البلاد ليس مجرد أرقام مفقودة في الموازنات ، بل هو اقتطاع من أعمار الناس ومن حقهم في العيش الكريم .
إن الشرف الحقيقي لا يُقاس بمدى انشغالنا بأجساد الآخرين ، بل بمدى حرصنا على صيانة حقوق الناس ، وحماية المال العام ، ومواجهة الظلم ، ورفض الفساد ، والدفاع عن حق المواطن في أن يعيش بكرامة .
حين يُسرق الوطن ، يُجرح شرف الجميع .
وحين تُهدر ثروات شعب بأكمله ، فإن القضية لم تعد قضية أموال ضائعة فحسب ، بل قضية ضمير وقيم ومعنى إنساني عميق .
الفساد العام غالبًا ما تكون أضراره واسعة وتمتد إلى المجتمع بأكمله ، بينما بعض السلوكيات الشخصية قد تكون آثارها أكثر محدودية أو تختلف باختلاف السياق .
فالشرف ليس ما نراقبه في أجساد الناس ، بل ما نحميه في أوطاننا ، وما نصونه في ضمائرنا ، وما نتركه للأجيال القادمة من عدالة وكرامة وأمل ..
