موفق الخطاب: تحت المجهر.. حذار من تكشير الأنياب بعد رحيل ترامب!

رغم التصعيد اللفظي الحاد والتسويق الاعلامي المستفز الذي ميّز سياسة إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تجاه إيران وغيرها من دول العالم عن سياسة سابقيه( بايدن و أوباما) ،لكن ذلك لا يؤشر إلى مواجهة شاملة أو إلى إسقاط النظام الإيران.
( وما مسرحية المفاوضات كما في كل تصعيد الا لاختبار القدرات وكسب الوقت والمزيد من الحلب من جهة ومن جهة اخرى التنازلات ) .
و تأخر حسم الملف الإيراني منذ سنين لم يأت اعتباطا ولم يكن ذلك نتيجة حسابات واشنطن الداخلية وحدها فقط، بل ثمرة تفاعل إقليمي أدّت فيه تركيا و دول الخليج دورًا محوريًا، إذ اختارت عن وعيٍ استراتيجي كبح اندلاع الحرب و التهور و الانخراط في مغامرة مفتوحة العواقب والتداعيات .
لقد أدركت تركيا و العواصم الخليجية أن إسقاط النظام الإيراني بالقوة لن يكون حدثًا معزولًا، بل زلزالًا جيوسياسيًا ستكون ارتداداته هي الأقسى في المنطقة منذ عقود ، ولا سيما في دول الخليج ذاتها.
ومن هنا مارست هذه الدول، عبر قنوات دبلوماسية هادئة وضغوط محسوبة، دورًا فاعلًا في ثني إدارة ترامب عن الذهاب نحو خيار المواجهة الشاملة التي تسعرها من طرف آخر إسرائيل بقوة مما يشكل ضغطا هائلا على ادارة ترامب ربما هو اشد ضراوة من الضغط الأقصى الذي يمارس على طهران …
وليتهم اهتدوا الى هذا النهج في ابعاد النيران عنهم في ثني أمريكا ودول التحالف عن اجتياح العراق في حربين مدمرتين وقدوم اساطيلها و تثبيت قواعدها في حين كانت الحلول وقتها متيسرة و اقل كلفة ونتيجة لذلك فهم يدفعون اليوم فاتورتها الباهضة فضلا عن استقواء ايران وتفلتها من عقالها ..
و رغم تصاعد الاستفزازات والانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي وما تلاه من سياسة الضغط الأقصى التي لم تأت بنتائجها المرجوة بعد ان ابتلعت إيران العراق واستولت عل مقدراته مما افشل ضغطهم الأقصى بغباء أمريكي أو ربما باتفاق مسبق حيث ضاعت البوصلة على المراقبين ..
و خلال تلك المرحلة لم يقتصر دورها على الصمود في وجه العقوبات، بل اتّسم أيضًا بحركة نشطة على مستوى الزيارات والاتصالات الإقليمية في دهاء فارسي، و في موازاة ذلك نلاحظ صمتٍ لافت وضبط لميليشياتها في العراق ولبنان وحتى اليمن و خلايها هنا و هناك.
ذلك الصمت لم يكن مؤشر تهدئة دائمة، بقدر ما كان انعكاسًا لقرارٍ تكتيكي بإعادة ترتيب الأوراق، وتجنّب استفزاز مباشر قد يجرّ الولايات المتحدة إلى مواجهة لا تريدها طهران في ذروة الضغط الأميركي.
وهنا تبرز المعضلة الأخطر:
فإن لم يتزامن هذا الضغط الأميركي مع خطوات حاسمة وسريعة لتفكيك الميليشيات العابرة للحدود ، فإن تلك القوى ستعود بقوة أكبر، وقدرة أعلى على فرض سطوتها خارج حدود الدولة الإيرانية.
فالفراغ الذي سيخلّفه تراجع الضغط العسكري بعد اي اتفاق ، إذا لم يُملأ بمشروع تفكيك فعلي للأذرع المسلحة التابعة لطهران، بعدها سيتحول هذا الملف إلى فرصة لإعادة إنتاج النفوذ يصعب لجمه تماما.
ومع انتهاء ولاية ترامب وهذا ما تناور عليه طهران بدهاء مفاوضيها، وتراجع منطق “الضغط الأقصى”، تزداد احتمالات أن تنظر إيران إلى تلك المرحلة بوصفها اختبارًا قاسيًا اجتازته بنجاح، لا مرحلة انكسار.
وهذا ما قد يدفعها إلى “تكشير الأنياب” مجددًا، سواء عبر أذرعها في العراق ولبنان واليمن، أو عبر توسيع هوامش الاشتباك السياسي والأمني في الإقليم، مستفيدة من شعورها بأنها قد أفلتت من أخطر تهديد وجودي واجهته منذ عقود.
المفارقة أن دول الخليج، التي أسهمت في تجنيب المنطقة سيناريو الانفجار الكبير، قد تجد نفسها لاحقًا أمام واقع أكثر تعقيدًا:
ربما ستخرج إيران أقل اندفاعًا عسكريًا، لكنها أكثر ثقة بنفوذها غير المباشر، وأكثر جرأة في استخدام الميليشيات كأداة ضغط إقليمي.
فغياب المواجهة الحاسمة لا يعني بالضرورة ترسيخ الاستقرار، بل قد يؤسس لمرحلة طويلة من الاستنزاف البطيء.
من هنا، لا ينبغي أن يكون الرهان الخليجي على الأشخاص أو الإدارات، بل على بناء استراتيجية إقليمية متكاملة، تُدرك أن الضغط السياسي والاقتصادي وحده لا يكفي ما لم يُستكمل بتفكيك الأذرع المسلحة، وتجفيف بيئاتها، وإعادة الاعتبار لمفهوم الدولة وسيادتها..
عليه يجب أن يكون حاضرا في اي تفاوض وأي وساطة بتغليب الحوار و تجنيب المواجهة موضوع المليشيات والاذرع المتغلغلة في المنطقة وتفكيكها متزامنا مع تفكيك ترسانتها النووية وهي لا تقل خطورة عن ملفها النووي والصواريخ البالستية .
فإيران ما بعد ترامب ليست بالضرورة أضعف، وقد تكون أكثر استعدادًا لاختبار صبر الجوار، ما لم تواجه بسياسة خليجية موحّدة تجمع بين الردع الصلب والانفتاح المشروط، وتقرأ المستقبل بعيون أبعد من لحظة التهدئة المؤقتة.
