نزار العوصجي: بين صراخ المنابر وهمس الوسطاء!

عندما يتحول الخوف من أمريكا إلى نفاق سياسي ..
في كل مرة تقترب فيها احتمالات المواجهة بين النظام الإيراني والولايات المتحدة من مرحلة خطرة ، يتكرر المشهد ذاته تقريباً ، وإن اختلفت التفاصيل .
يخرج قادة النظام ومسؤولوه إلى الإعلام بلغة التحدي والتهديد ، ويتحدثون عن القوة والصمود والمقاومة ، ويؤكدون أن إيران لا تخشى الولايات المتحدة ولا ترضخ للضغوط ، وأنها مستعدة لمواجهة العالم كله دفاعاً عن مبادئها ومصالحها .
لكن خلف هذه الصورة الصاخبة ، تبدأ حركة أخرى أكثر هدوءاً .
تتحرك قنوات الاتصال ، وتنشط الوساطات ، وتُفتح الأبواب التي كان الخطاب الرسمي قد أغلقها ، وتبدأ محاولات احتواء الأزمة ، يقبلون الأيادي والأقدام ، لمنعها من الوصول إلى مواجهة عسكرية مباشرة .
وهنا تبرز المفارقة الكبرى .
إذا كان النظام الإيراني بهذه القوة التي يتحدث عنها ، فلماذا يحتاج في كل أزمة كبرى إلى الوسطاء ؟
ولماذا يصبح التفاوض ، الذي كان يُقدَّم للشعب الإيراني على أنه خط أحمر لا يمكن الاقتراب منه ، خياراً مطروحاً عندما تشتد الضغوط ؟
المشكلة ليست في التفاوض .
فالتفاوض جزء طبيعي من العلاقات الدولية ، والدول القوية نفسها تتفاوض مع خصومها ، وتستخدم القنوات السرية والعلنية لحماية مصالحها ، بل إن القدرة على التفاوض في لحظة الخطر قد تكون دليلاً على الحكمة والواقعية السياسية .
لكن المشكلة الحقيقية تكمن في ازدواجية الخطاب .
فالنظام الإيراني يريد أن يحتفظ بصورة “القوة التي لا تنحني” أمام جمهوره ، وفي الوقت نفسه يريد أن يمتلك هامشاً واسعاً للمناورة السياسية عندما يشعر بأن المواجهة قد تصبح مكلفة .
وهنا تتحول السياسة إلى لعبة إعلامية :
في العلن ، صمود ومقاومة وتحدٍّ .
وفي الكواليس ، وساطات وتوسلات ورسائل واتصالات .
في الخطاب الداخلي ، لا خوف من أمريكا ، وفي الحسابات السياسية ، محاولة لتجنب الحرب .
ثم تأتي المرحلة الأكثر إثارة للجدل : مرحلة إعادة تفسير ما حدث ، فإذا نجحت الوساطة ، أصبح ذلك “انتصاراً دبلوماسياً إيرانياً”، وإذا جرى فتح باب التفاوض ، أصبح “تراجعاً أمريكياً”، وإذا خُفّض مستوى التصعيد ، قيل إن الولايات المتحدة “خضعت للردع الإيراني”.
أما إذا تحدث الرئيس الأمريكي عن وجود رسائل أو اتصالات أو محاولات إيرانية للعودة إلى التفاوض ، فإن الخطاب الرسمي الإيراني يسارع إلى النفي ، واتهام الطرف الآخر بالكذب والدعاية .
وهنا يحق للمتابع أن يسأل :
لماذا يُعتبر التفاوض انتصاراً عندما تقوده طهران ، لكنه يصبح كذباً وإهانة عندما يكشف عنه الطرف الآخر ؟
إن هذه الازدواجية تكشف أزمة أعمق من مجرد خلاف سياسي بين دولتين .
إنها أزمة نظام يريد أن يظهر أمام شعبه بمظهر القوة المطلقة ، حتى لو اضطر إلى ممارسة سياسة مختلفة تماماً عن تلك التي يعلنها .
لقد استخدم النظام الإيراني على مدى عقود خطاباً يقوم على فكرة “المقاومة”، وجعل من مواجهة الولايات المتحدة أحد أعمدة شرعيته السياسية والأيديولوجية ، ولذلك فإن الاعتراف العلني بالخوف من الحرب أو بالحاجة إلى التفاوض قد يمثل مشكلة داخلية للنظام ، لأنه يتعارض مع الصورة التي بناها لنفسه .
ولهذا يصبح الوسيط مهماً .
فالوسيط يسمح للنظام بأن يتفاوض من دون أن يقول إنه تفاوض .
ويسمح له بأن يتراجع من دون أن يعترف بأنه تراجع .
ويسمح له بأن يفتح الباب أمام التسوية من دون أن يظهر أمام جمهوره وكأنه استسلم .
وهنا تصبح الوساطة ، في بعض الأحيان ، ليست مجرد أداة دبلوماسية ، وإنما جسراً للخروج من مأزق سياسي من دون دفع ثمن الاعتراف به .
ولعل التجارب السابقة بين إيران والولايات المتحدة تؤكد أن قنوات الاتصال لم تكن غائبة حتى في أكثر مراحل العداء توتراً . فقد لعبت سلطنة عُمان في مراحل مختلفة دوراً مهماً في نقل الرسائل وتهيئة قنوات الحوار ، كما شهدت ملفات أخرى أدواراً لوساطات أوروبية وقطرية ، في محاولة لمنع التصعيد أو فتح الطريق أمام التفاوض .
وهذا كله ليس سراً في عالم السياسة .
لكن السؤال يبقى : لماذا لا يُقال للشعب الإيراني بوضوح إن الدولة تتفاوض لأنها تريد تجنب الحرب ؟
لماذا لا يُقال إن الاقتصاد الإيراني يعاني ، وإن العقوبات تضغط ، وإن أي حرب واسعة قد تكون كارثية على البلاد ؟
لماذا يجب أن يُقال للشعب إن كل تراجع هو انتصار ، وكل وساطة هي هزيمة للخصم ، وكل مفاوضات هي دليل على انتصار المقاومة ؟
إن الشعوب لا تحتاج دائماً إلى خطابات البطولة ، فأحياناً تحتاج إلى الحقيقة .
الحقيقة هي أن الحرب ليست لعبة ، وأن الدول مهما كانت قوية تبحث عن مصالحها ، وأن التفاوض ليس عاراً ، وأن تجنب الحرب ليس استسلاماً .
لكن عندما يصبح الخطاب السياسي مبنياً على الإنكار المستمر ، يصبح النظام أسيراً لصورة صنعها بنفسه .
وهذا هو التناقض الأكبر .
فالنظام الذي يطلب من شعبه أن يصدق أنه لا يخاف من أحد ، يجد نفسه مضطراً إلى البحث عن الوسطاء عندما تقترب ساعة الحقيقة .
والنظام الذي يصف أمريكا بأنها “الشيطان الأكبر”، يجد نفسه في نهاية المطاف بحاجة إلى قنوات اتصال معها .
والنظام الذي يعلن أن المفاوضات لن تحدث تحت الضغط ، يجد نفسه يناقش في النهاية شروط التفاوض وكيفية تجنب التصعيد .
هنا لا يعود السؤال : هل النظام الإيراني قوي أم ضعيف ؟
السؤال الأهم هو : لماذا يحتاج إلى كل هذا القدر من الدعاية لإثبات قوته ؟
القوة الحقيقية لا تحتاج إلى الصراخ .
والدولة الواثقة من نفسها لا تحتاج إلى تزوير الواقع ، والحكومات التي تحترم شعوبها لا تخشى أن تقول الحقيقة عندما تتفاوض .
أما أن يقال للشعب إن النظام يقف شامخاً في وجه العالم ، بينما تبحث السلطة في الوقت نفسه عن مخرج عبر الوسطاء ، فهذه ليست بطولة سياسية ، بل هي إدارة للواقع عبر الدعاية .
إن أخطر ما يمكن أن تفعله الأنظمة هو أن تجعل شعوبها تعيش داخل رواية إعلامية منفصلة عن الواقع .
وعندما يحدث ذلك ، يصبح النفاق السياسي جزءاً من آلية الحكم .
يُطلب من المواطن أن يصدق أن التراجع انتصار ، وأن الخوف شجاعة ، وأن الوساطة هزيمة للخصم ، وأن التفاوض استسلام أمريكي ، حتى لو كانت الوقائع تقول شيئاً آخر تماماً .
وفي النهاية ، فإن التاريخ لا يكتب ما قيل على المنابر فقط ، بل يكتب أيضاً ما حدث في الغرف المغلقة .
والتاريخ السياسي لا يهتم كثيراً بمن رفع صوته أكثر ، بل بمن امتلك القدرة على قراءة الواقع والتصرف على أساسه .
لذلك ، فإن السؤال الذي سيبقى مطروحاً أمام النظام الإيراني هو :
إذا كانت إيران لا تخشى المواجهة ، فلماذا تحتاج إلى الوسطاء ؟
وإذا كانت لا تريد التفاوض ، فلماذا تفتح قنواته ؟
وإذا كانت لا تخشى العقوبات والحرب ، فلماذا تسعى إلى تخفيف
