د. عبد السلام سبع الطائي: هل تغيّر حرب إيران وجه العراق؟

عندما سُئل ترامب عن مهاجمة إيران، أجاب:
«قد أفعل، وقد لا أفعل؛ فلا أحد يعلم ما سأفعله».(1)
أسئلة على حافة الانفجار: ترسم مصير الامة وإيران والشرق الأوسط
◆ هل سيكولوجية ترامب المتقلّبة: عفوية أم استراتيجية متعمَّدة؟
◆ هل ستدفع الحرب على إيران إلى مواجهة داخلية بين الدولة والميليشيات؟
◆ هل جنّن ترامب العراق والخليج والشرق الأوسط، أم أعاد تشكيله وفق «نظرية الرجل المجنون»؟
◆ هل تمثّل مهلة سبتمبر نهايةً فعليةً لسلاح الميليشيات، أم بدايةً لانفجار سياسي وأمني؟
◆ هل تنجح حكومة الزيدي في استعادة قرار الحرب والسلم، أم تسقط بين الضغط الأمريكي والنفوذ الإيراني؟
◆ هل تقود الضربات والتحالفات ال14 الإقليمية الجديدة إلى سقوط النظام الإيراني، أم إلى إعادة رسم خريطة القوةوالنفوذ ومستقبل الأمة في الشرق الأوسط؟
تمهيد: من هندسة القلق السياسي إلى إعادة تشكيل موازين القوة
تأتي هذه الورقة استكمالًا لورقتنا السابقة الموسومة: «هل ترامب مجنون أم جنّن العالم؟ قراءة في هندسة القلق السياسي وإعادة تشكيل النظام الإقليمي»، المنشورة بتاريخ 18/5/2026، والتي تناولت كيفية توظيفه الغموض والتهديد والمفاجأة في إدارة الأزمات الدولية، ولا سيما في علاقته بإيران وتداعيات ذلك على النظام العراقي.
وقد انطلقت الورقة السابقة من سؤال يتعلق بطبيعة الهندسة النفسية الغائية التي يستخدمها في صناعة القلق السياسي وإرباك الخصوم والحلفاء معًا. أما هذه الورقة، فتمثل امتدادًا تحليليًا لذلك البحث، من خلال الانتقال من دراسة شخصية ترامب وخطابه السياسي إلى دراسة النتائج العملياتية والعسكرية والأمنية والمؤسسية المترتبة على تطبيق ما يُعرف بـ«نظرية الرجل المجنون» في العراق وإيران والمنطقة.
وإذا كانت الورقة السابقة قد بحثت في صناعة الخوف وعدم اليقين بوصفهما أداتين للتفاوض والردع، فإن هذه الدراسة تتناول المرحلة اللاحقة، التي تحوّل فيها القلق السياسي إلى ضربات عسكرية، وتحالفات إقليمية جديدة، وضغوط أمريكية مباشرة لحل الميليشيات العراقية وحصر السلاح بيد الدولة.
كما تبحث الورقة في المهلة المعلنة، التي تنتهي في أيلول/سبتمبر 2026، لحلّ الميليشيات أو إخضاعها للقيادة الرسمية، وفي تداعيات الضربات الأمريكية والسعودية ضد مواقع الميليشيات داخل العراق، واتساع نطاق الأزمة مع دخول الأردن وسوريا ومصر على خط الترتيبات الأمنية الإقليمية.
ولا تقف الدراسة عند أثر الحرب في بنية النظام الإيراني ومشروع ولاية الفقيه النووي، بل تمتد إلى بحث موقع الشعوب غير الفارسية في مستقبل هذا النظام، وما إذا كان دعم حقوقها وتمكينها، أو الرهان على تسليح بعض جبهاتها، يمكن أن يتحول إلى عامل ضغط داخلي ينقل المواجهة إلى العمق الإيراني، .
ومن هنا، تتشكل العلاقة بين الورقتين وفق المنهج التحليلي للدراسات التتبعية، ورصد تأثير هذه التطورات في مستقبل النظامين السياسيين العراقي والإيراني، وفي إعادة توزيع موازين القوة والنفوذ في الشرق الأوسط، الذي يُعدّ العراق أحد أهم ميادينه..
الحرب النفسية ونظرية «الرجل المجنون»
يجمع الرئيس ترامب في خطابه المتقلب عمدًا بين التهديد الشديد والدعوة إلى التفاوض، وبين توسيع نطاق العمليات العسكرية والإعلان المفاجئ عن وقفها، بما يجعل صعوبة التنبؤ بقراراته جزءًا أساسيًا من استراتيجية الضغط التي ينتهجها. ويقترب هذا السلوك مما يُعرف في العلاقات الدولية بـ«نظرية الرجل المجنون»، التي تقوم على إقناع الخصم بأن القائد قد يتخذ قرارات غير متوقعة أو مفرطة في التصعيد، وتعني الاستخدام السياسي المتعمد لصورة القائد المتقلب وغير القابل للتنبؤ.
غير أن تطبيق ترامب لهذه النظرية تجاه إيران كشف عن مفارقة واضحة. فكلما ارتفعت حدة تهديداته، ازداد الضغط النفسي والعسكري على القيادة الإيرانية، ودفع إيران ووكلاءها إلى توسيع جبهات الرد في العراق والخليج والبحر الأحمر والأردن وسوريا.
وقد تجلّت سيكولوجية ترامب المتقلّبة في انتقاله بين توسيع نطاق الضربات على إيران والميليشيات المرتبطة بها، وبين إعلان استعداده لإيقاف العمليات عند التوصل إلى تفاهم سياسي. ففي 2 آب/أغسطس 2026، أعلن ترامب أن معالم اتفاق محتمل مع إيران قد بدأت تتبلور، وأن وقف الضربات يرتبط بإتمام هذا الاتفاق، وذلك بعد أشهر من المواجهات العسكرية واضطراب حركة الملاحة وأسواق الطاقة في المنطقة.
ويعكس هذا الانتقال السريع من الحرب المتوقعة إلى احتمال التسوية المفاجئة توظيفَ التصعيد العسكري، ليس فقط بهدف هزيمة الخصم، بل أيضًا لإرغامه على التفاوض من موقع أضعف.
العراق بين مهلة أيلول وضغط الحرب
يقع العراق في مركز الهزات الاستراتيجية التي حدثت في إيران ومحيط دائرة ارتداداتها على الدول الخليجية والإقليمية؛ لأنه يمثل الساحة الأهم لنفوذ إيران خارج حدودها، كما يضم ميليشيات تمتلك صواريخ وطائرات مسيّرة ونفوذًا سياسيًا واقتصاديًا واسعًا. وتشير التقديرات إلى أن الميليشيات المنضوية تحت مسميات «المقاومة الإسلامية في العراق» تضم عشرات الآلاف من المقاتلين، وأن بعضها يرتبط مباشرة بالحرس الثوري الإيراني، ويتمتع بقدرات عسكرية تنافس قدرات بعض مؤسسات الدولة.
وفي هذا الإطار جاءت مهلة الحكومة العراقية حتى 30 أيلول/سبتمبر 2026 لحل الميليشيات أو إخضاعها الكامل لسلطة الدولة، بالتزامن مع انتهاء مهمة التحالف الدولي. وقد تعهد رئيس الوزراء علي الزيدي بألّا يبقى بعد هذا التاريخ أي سلاح أو تشكيل عسكري يعمل خارج القيادة الرسمية. غير أن هذه المهلة جاءت أيضًا نتيجة ضغط أمريكي مباشر.
ومن هنا، فإن معيار النجاح الواقعي لا يتمثل في إعلان حل الميليشيات على الورق، بل في انتقال السيطرةعلى الصواريخ والمسيّرات ومخازن السلاح وغرف العمليات والمنافذ الحدودية إلى الدولة. أما حل الفصائل الإرهابية الضعيفة واستثناء الجماعات الأقوى، فسوف يعيد إنتاج التجربة اللبنانية بعد اتفاق الطائف؛ إذ حُلّت ميليشيات عديدة، بينما احتفظ حزب الله بسلاحه، فنشأت ازدواجية بين الدولة والقوة المسلحة الموازية.
تجارب دولية أخرى
وتبين تجربة كولومبيا مع «فارك» أن نزع السلاح لا يتحقق بالإنذارات والمداهمات المباغتة وحدها، بل يحتاج إلى اتفاق سياسي، وبرامج لإعادة إدماج المقاتلين، وضمانات أمنية، وتنمية اقتصادية، وعدالة انتقالية.
أما تجربة إيرلندا الشمالية فتؤكد أهمية الرقابة المستقلة، والتدرج، وبناء الثقة، وربط المشاركة السياسية بنبذ العنف. ولذلك يحتاج العراق إلى صيغة تجمع بين النموذجين الكولومبي والإيرلندي، وتتجنب الاستثناء اللبناني.
التحالف الأمريكي–السعودي وتحول قواعد الصراع
شكّلت الضربات الأمريكية–السعودية المشتركة ضد مواقع ميليشيات مرتبطة بإيران داخل العراق تحولًا كبيرًا في البيئة والنظام الإقليمي. فقد انتقلت السعودية من سياسة الحذر ومحاولة التهدئة مع طهران إلى المشاركة المباشرة في ضرب منصات ومواقع استُخدمت لإطلاق الصواريخ والمسيّرات على منشآت خليجية. كما شارك الطيران السعودي في استهداف ميليشيات عراقية موالية لإيران، بعد قيامها بتنفيذ هجمات عبر الحدود أو دعمها.
ويعني ذلك أن السلاح العراقي الخارج عن الدولة لم يعد مشكلة داخلية أو خلافًا بين بغداد وواشنطن فقط، بل أصبح تهديدًا مباشرًا للأمن السعودي والخليجي. ومن ثم، فإن استمرار نشاط تلك الجماعات قد يمنح دولًا إقليمية مبررًا لتوجيه ضربات جديدة داخل الأراضي العراقية، وهو ما يكشف عجز الدولة عن احتكار قرار الحرب والسلم.
كما أن دخول الأردن وسوريا ومصر على خط الأزمة يكشف اتساع رقعة الصراع. فالأردن أصبح معنيًا بحماية مجاله الجوي والقواعد الأمريكية الموجودة على أراضيه، وسوريا تمثل المعبر البري الأهم بين العراق وإيران ولبنان، بينما ترتبط مصر بأمن البحر الأحمر وقناة السويس وتهديدات الملاحة الدولية. وهكذا يتحول العراق من ساحة نفوذ إيراني–أمريكي إلى جزء من منظومة صراع تشمل الخليج وبلاد الشام والبحر الأحمر.
مستقبل النظام السياسي العراقي
ووفقًا لتلك المعطيات، فإن حكومة الزيدي تواجه ثلاثة احتمالات رئيسة:
الأول: نجاح جزئي في نزع الأسلحة الاستراتيجية ووقف الهجمات الخارجية، مع دمج بعض المقاتلين في مؤسسات الدولة وتحويل القوى السياسية المرتبطة بالميليشيات إلى أحزاب مدنية لإرضاء واشنطن.
الثاني: تنفيذ شكلي للمهلة، عبر تغيير أسماء الفصائل أو نقل جزء من أسلحتها إلى مؤسسات رسمية، مع بقاء القيادة والتمويل والقرار الفعلي خارج الدولة. وهذا السيناريو يبقي الحكومة رهينة بين قوتين: الضغط الأمريكي–الخليجي من جهة، والنفوذ الإيراني الداخلي من جهة أخرى.
الثالث: فشل المهلة ورفض الميليشيات تسليم أسلحتها، بما قد يقود إلى عقوبات وضربات عسكرية وتصعيد داخلي، وانقسام داخل الإطار التنسيقي ومؤسسات الدولة. وفي هذه الحالة قد تدخل الحكومة في مواجهة لا تملك أدوات حسمها، أو تضطر إلى التراجع، فتفقد ثقة واشنطن والدول العربية وتعجّل سقوطها.
لذلك ينبغي أن يكون الهدف حل الحشد الشعبي بوصفه مؤسسة أُنشئت بفتوى إيرانية المرجع وقانون ولائي وليس رئاسيًا. كما يتطلب ذلك تسليم الأسلحة الثقيلة، وإغلاق غرف العمليات المستقلة، وضبط الحدود، وفصل الأحزاب عن أجنحتها المسلحة، وإنشاء لجنة عراقية مستقلة للتحقق من التنفيذ.
مستقبل النظام الإيراني
أما في إيران، فإن الضربات العسكرية والضغوط الاقتصادية قد تضعف القدرات الإقليمية للحرس الثوري وتقلص تمويل الجماعات الحليفة، لكنها لا تؤدي تلقائيًا إلى سقوط النظام..
لكن استمرار الحرب وتراجع الصادرات وارتفاع الكلفة الاقتصادية بسبب غلق هرمز وفقدان بعض الحلفاء الإقليميين قد يفتح الباب أمام صراع داخلي بين التيار الأمني المتشدد، والتيارات التي ترى ضرورة تقديم تنازلات لحماية النظام. ولذلك قد يكون مستقبل إيران أقرب إلى إعادة ترتيب مراكز القوة داخل النظام منه إلى سقوط سريع وشامل له..
مستقبل نظام الولاية النووي ورهان الشعوب غير الفارسية
قد يصبح مستقبل النظام الإيراني رهينًا بمدى حصول الشعوب غير الفارسية على الدعم السياسي والإعلامي والعسكري، وفي مقدمتها عرب دولة الأحواز المغتصبة، إلى جانب توحيد صفوف المقاتلين البلوش، ومن بينهم جيش العدل في بلوشستان الإيرانية، فضلًا عن الأذريين وغيرهم.
وتمثّل هذه الشعوب أحد أبرز مكامن الضعف الداخلي في بنية الدولة الإيرانية، بعد عقود من التهميش والتمييز ومصادرة الحقوق القومية والثقافية. وإذا كانت نية الولايات المتحدة وبريطانيا، بوجه خاص، صادقة في التخلص من مشروع ولاية الفقيه التوسعي والعدواني، دولةً ونظامًا معًا، لا أحدهما دون الآخر، فإن دعم حقوق هذه الشعوب وتمكينها قد يشكّل إحدى أوراق الضغط الاستراتيجية المؤثرة في مواجهة النظام الإيراني وتقويض امتداداته الإقليمية.
وقد يؤدي تصاعد الاحتجاجات، بالتزامن مع الضغوط الخارجية، إلى نقل المواجهة من حدود إيران إلى عمقها الداخلي؛ إذ إن دعمهذه الجبهات وتسليحها من شأنه أن يهدد وحدة إيران بأكملها.
الخلاصة
تكشف تطورات عام 2026 أن الحرب النفسية لم تعد مجرد تمهيد للحرب العسكرية، بل أصبحت سلاحًا مركزيًا في صميم استراتيجيتها؛ إذ وظّفت إدارة ترامب الغموض والردع والضغط العسكري، بالتوازي مع التفاوض، لإرباك حسابات خصومها وإعادة هندسة قراراتهم، ودفعهم تدريجيًا من التنازل تحت الضغط إلى الاستسلام أمام الأمر الواقع، في حين وجدت إيران نفسها أمام معركة مزدوجة: الحفاظ على تماسكها الداخلي، وصون شبكة نفوذها الإقليمي..
ويتوقف جانب آخر من مستقبل نظام ولاية الفقيه ومشروعه النووي على قدرته على احتواء مطالب الشعوب غير الفارسية ومعالجة عقود التهميش والتمييز. فإذا اتجهت الولايات المتحدة وبريطانيا إلى توظيف هذه الورقة عبر دعم حقوق تلك الشعوب وتمكينها، أو الرهان على تسليح بعض جبهاتها، فقد تنتقل المواجهة من الضغط الخارجي إلى العمق الإيراني وتتحول إلى عامل يهدد بقاء النظام وامتداداته الإقليمية. .
أما العراق، فقد أصبح الحلقة الأكثر حساسية وضعفًا في هذا التحول؛ إذ لم يعد مستقبل دولته مرتبطًا فقط بمآلات الصراع الأمريكي–الإيراني، وإنما بقدرته على استعادة احتكار السلاح وقرار الحرب والسلم، وإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس السيادة والقانون. ومن ثم، فإن السؤال الذي طرحناه في دراستنا السابقة: «هل ترامب مجنون أم جنّن العالم؟» يتطور اليوم إلى سؤال أكثر عمقًا: هل كانت «نظرية الرجل المجنون» مجرد أداة للردع، أم أنها أصبحت مدخلًا لإعادة رسم خرائط القوة والنفوذ في الشرق الأوسط؟ والإجابة عن هذا السؤال ستتحدد ليس فقط بنتائج الحرب، بل أيضًا بقدرة دول المنطقة على التكيف مع نظامإقليمي جديد ما زالت ملامحه قيد التشكل..
المصدر
(1) دونالد ترامب: كيف يستخدم الرئيس الأمريكي «نظرية الرجل المجنون» لمحاولة تغيير العالم؟ – BBC News عربي.
