نزار العوصجي: قبيل زيارة رئيس الوزراء لواشنطن.. ما سر توقيت مطاردة الفاسدين في العراق؟

هنالك سؤال جوهري يطارد واشنطن قبل الفاسدين ، لماذا الآن ؟
ليس مستغربًا أن يطالب العراقيون بمحاسبة الفاسدين سراق المال العام ، واسترداد الأموال المنهوبة ، فهذا مطلب وطني وشعبي طال انتظاره .
لكن المستغرب حقًا أن تصدر هذه الدعوات اليوم من الإدارة الأمريكية ، وكأنها اكتشفت للتو أن العراق تعرض ، طوال أكثر من عقدين ، لواحدة من أكبر عمليات استنزاف المال العام في تاريخه الحديث .
وهنا يبرز السؤال الذي لا يمكن القفز فوقه : لماذا الآن ؟
ألم تكن واشنطن ، بوصفها القوة التي قادت الغزو والاحتلال عام 2003 ، صاحبة النفوذ الأكبر في رسم ملامح النظام السياسي الجديد ؟
ألم تكن تمتلك من النفوذ والقدرة ما يكفي لدعم بناء مؤسسات رقابية قوية ، وفرض معايير صارمة للمساءلة ، ومنع تحول الفساد إلى ثقافة حكم ؟
وإذا كانت تملك تلك القدرة ، فلماذا لم تستخدمها في وقت كانت فيه الدولة العراقية تُعاد صياغتها من الصفر ؟
لقد مرّت سنوات طويلة ، والعراق يشهد تراجعًا في الخدمات ، وتدهورًا في البنية التحتية ، وتبددًا لثرواته ، فيما تضخمت شبكات الفساد حتى أصبحت ، في نظر الكثيرين ، أكثر نفوذًا من مؤسسات الدولة نفسها .
لم يكن هذا المشهد وليد يوم أو سنة ، بل جاء نتيجة تراكمات امتدت لعقدين كاملين .
اليوم ، وبين فترة وأخرى ، تعلن السلطات عن توقيف بعض المتهمين بقضايا فساد ، في مشهد يراه الكثير من العراقيين غير كافٍ لاستعادة الثقة .
فثمة انطباع واسع لدى شريحة من الرأي العام بأن هذه الإجراءات لا تطال سوى أسماء محدودة ، بينما تبقى حيتان الفساد الكبيرة ، الشخصيات الأكثر نفوذًا ، والتي تُتهم في الخطاب العام بالوقوف خلف ملفات الفساد الكبرى ، بعيدة عن دائرة المساءلة .
وإذا استمرت هذه الصورة ، فإنها ستعزز الاعتقاد بأن الحرب على الفساد ما زالت انتقائية ، وأن كبار المستفيدين من منظومة الفساد لم تطلهم يد العدالة بعد .
إن الشعوب لا تقيس جدية مكافحة الفساد بعدد أوامر القبض ، بل بقدرة الدولة على الاقتراب من الرؤوس الكبيرة قبل الصغار .
فالعدالة التي تتوقف عند حدود الموظف الصغير أو المسؤول المحدود ، بينما تعجز عن الوصول إلى أصحاب النفوذ ، ليست العدالة التي ينتظرها العراقيون .
ويبقى السؤال الجوهري : من أوصل العراق إلى هذه النتيجة ؟
من منظور سياسي يتبناه الكثيرون ، فإن الاحتلال لم يغيّر النظام السياسي فحسب ، بل أسهم أيضًا في إيجاد بيئة سمحت بتفكك مؤسسات الدولة وضعف منظومة الرقابة ، وهو ما وفر أرضية مناسبة لتنامي الفساد .
وفي المقابل ، تتحمل الحكومات العراقية المتعاقبة والقوى السياسية التي أدارت البلاد مسؤولية مباشرة عن سوء الإدارة ، والإخفاق في حماية المال العام ، وعدم بناء دولة المؤسسات والقانون .
إن توزيع المسؤوليات لا يعني إعفاء أحد منها .
فكل من شارك في صنع هذا الواقع ، أو غضّ الطرف عنه ، أو استفاد منه ، يتحمل نصيبًا من المسؤولية أمام التاريخ وأمام الشعب العراقي .
ولهذا ، فإن أي حديث أمريكي عن محاربة الفساد لن يكتسب المصداقية ما لم يقترن بخطوات عملية تسهم في كشف جميع الملفات ، والتعاون في استرداد الأموال المنهوبة ، ودعم القضاء العراقي في ملاحقة المتورطين ، بعيدًا عن الانتقائية أو الحسابات السياسية .
لقد دفع العراق ثمنًا باهظًا من أمنه واستقراره وثرواته ، ولم يعد المواطن العراقي يبحث عن خطابات جديدة ، بل عن عدالة حقيقية لا تستثني نافذًا ، ولا تُجامل حزبًا ، ولا تخضع لموازين القوة .
فالمال الذي سُرق هو مال العراقيين جميعًا ، واستعادته ليست منّة من أحد، بل حقٌ أصيل ، كما أن محاسبة الفاسدين ليست خيارًا سياسيًا ، بل واجب قانوني وأخلاقي .
ويبقى السؤال معلقًا في ضمير كل من يتحدث اليوم عن مكافحة الفساد : إذا كانت الإرادة موجودة الآن ، فلماذا غابت حين كان العراق يُستنزف عامًا بعد عام ؟
ولماذا لم يتحرك العالم إلا بعد أن أصبحت خسائر العراق تُقدَّر بمئات المليارات ، وضاعت فرص التنمية ، وتراجع مستوى الخدمات ، واتسعت معاناة المواطن ؟
إن العراق لا يحتاج إلى حملات إعلامية عابرة ، بل إلى إرادة حقيقية تكشف الحقيقة كاملة ، وتحاسب جميع المتورطين بلا استثناء ، لأن الأوطان لا تُبنى بالشعارات ، وإنما بالعدالة ، ولا تُستعاد ثقة الشعوب إلا عندما يرى الناس أن القانون فوق الجميع ، يطال الكبار قبل الصغار ..
