آراء

نزار العوصجي: الوطن الذي يسكننا .. كيف خسر العراق أبناءه وخسر أبناؤه وطنهم ؟

بعد ثلاثة وعشرين عامًا من المنفى الإجباري ، لم يعد الزمن هو ما يؤلمنا ، بل الأسئلة التي تجول في مخيلتنا دون ان تجد جوابًا .
كيف يمكن لوطن أن يتحول ، في حياة جيل واحد ، من مصدر للأمان إلى مصدر للخوف ؟
وكيف يمكن لإنسان ولد على أرض ، وشرب من مائها ، وتعلم في مدارسها ، وخدم مجتمعها ، أن يستيقظ ذات يوم ليكتشف أن الرحيل أصبح أكثر أمانًا من البقاء ؟
إن هذه الكلمات ليست دعوة إلى اجترار الماضي ، ولا محاولة لإحياء الخصومات ، بل شهادة على زمن عصيب عاشه ملايين العراقيين ، بمختلف انتماءاتهم .
غير أن لكل تجربة خصوصيتها ، وتجربة المسيحيين العراقيين تحمل خصوصية مؤلمة ؛ فهي قصة مكون أصيل من مكونات العراق ، وجد نفسه خلال العقود الأخيرة يواجه تقلصًا في وجوده ، وتهجيرًا طال عائلاته ، وتآكلًا في شعوره بالأمان والانتماء .
لقد كان المسيحيون جزءًا من تاريخ العراق قبل أن تتشكل دولته الحديثة .
ساهموا في التعليم والطب والهندسة والثقافة والإدارة والصحافة ، وكان حضورهم امتدادًا لتاريخ طويل من التفاعل مع بقية مكونات المجتمع .
لم يكونوا على هامش الوطن ، بل في صميمه ، لكن الأوطان لا تُقاس بما كانته في الماضي فقط ، بل بما تمنحه لأبنائها في الحاضر .

حين تتراجع هيبة القانون ، وتضعف مؤسسات الدولة ، وتصبح الهوية الفرعية أقوى من هوية المواطنة ، يبدأ الوطن بخسارة أثمن ما يملك : ثقة أبنائه .
فالخوف لا يولد من اختلاف الناس ، بل من شعور بعضهم بأنهم لم يعودوا متساوين في الحماية والحقوق والفرص ، ولم تكن معاناة المسيحيين معزولة عن معاناة بقية العراقيين ، فقد عانى العراقيون جميعًا ، بدرجات مختلفة ، من التهجير والاضطهاد والعنف والإرهاب والانقسام .
لكن ما يجعل التجربة المسيحية جديرة بالتأمل هو أن مجتمعًا عريقًا ، امتدت جذوره في هذه الأرض قرونًا طويلة ، تقلص حضوره بصورة لافتة خلال فترة زمنية قصيرة ، وهذه ليست خسارة للمسيحيين وحدهم ، بل خسارة للعراق نفسه ، لأن التنوع الذي صنع شخصيته التاريخية تعرض لجرح عميق .
أما المنفى ، فلم يكن نهاية المأساة ، بل بدايتها .
لقد خرجنا من العراق حاملين مفاتيح بيوتنا ، لا لأننا كنا نعتقد أننا سنغيب إلى الأبد ، بل لأننا كنا نؤمن أن العودة ممكنة .
لكن السنوات مضت ، وكبرت المسافة بين الذاكرة والواقع ، وتحول المنفى من محطة مؤقتة إلى عمر كامل .
في المنفى ، لم تكن أصعب التجارب تعلم لغة جديدة أو التكيف مع مجتمع مختلف ، بل الانتقال من حياة كريمة بنيناها بعرقنا إلى بداية جديدة من الصفر .
كثيرون كانوا أصحاب مهن وخبرات ومكانة اجتماعية ، ثم وجدوا أنفسهم ينتظرون الاعتراف بشهاداتهم ، أو يبحثون عن أي فرصة عمل ، أو يعتمدون في مراحلهم الأولى على مساعدات لم يتخيلوا يومًا أنهم سيحتاجون إليها .
إن العوز ليس نقص المال وحده ، بل فقدان الإحساس بالاستقلال والقدرة على إعالة الأسرة كما اعتاد الإنسان أن يفعل .
والكرامة لا تُقاس بحجم الثروة ، بل بقدرة الإنسان على أن يعيش من عمله ، وأن يشعر بأن جهده محل تقدير .
ورغم ذلك ، فإن المنفى لم ينجح في انتزاع العراق من قلوبنا .

بقي الوطن يسكننا ، حتى عندما أصبح بعيدًا عنا ، وبقي الحنين إلى الأزقة القديمة ، وأجراس الكنائس، وأصوات الأسواق ، وذكريات الجيران ، جزءًا من هويتنا التي لم تستطع الحدود أن تمحوها .
لكن الحنين وحده لا يبني مستقبلًا .
إن مستقبل العراق لن يُصنع بالإنكار ، ولا بإلقاء اللوم على طرف واحد ، بل بالاعتراف بأن المأساة كانت نتيجة تفاعل عوامل داخلية وخارجية ، وأن مسؤولية إعادة بناء الثقة تقع على الجميع : على الدولة ، وعلى القوى السياسية ، وعلى المجتمع ، وعلى المجتمع الدولي الذي كان لقراراته أثر في تشكيل الواقع العراقي .
لقد آن الأوان لأن يسمع العالم رسالة العراقيين الذين لم يغادروا أوطانهم حبًا في الهجرة ، بل لأنهم فقدوا شروط الحياة الآمنة فيها .

إلى صناع القرار في العالم نقول :
“يمكن للإنسان أن يعيش بعيدًا عن وطنه ، لكنه لا يستطيع أن يعيش بعيدًا عن حاجته إليه”.
لم نكن نحلم بالعيش في المنافي .
كنا نحلم بأن نبقى في بيوتنا التي خسرناها ، وأن نربي أبناءنا في مدننا ، وأن نصلي في كنائسنا ومساجدنا ، وأن نعمل بكرامة في وطننا .
وإذا كنتم تناقشون اليوم قضايا الهجرة واللجوء ، فتذكروا أن خلف كل مهاجر قصة وطن لم يستطع أن يحميه ، وخلف كل لاجئ بيتًا لم يغادره طوعًا .
إن القوة السياسية تمنح القدرة على اتخاذ القرار ، لكنها لا تعفي من المسؤولية عن نتائجه الإنسانية . والاعتراف بهذه المسؤولية ليس إدانة لشعب ، ولا لثقافة ، ولا لدولة بعينها ، بل هو احترام للحقيقة التي يجب أن يتعلم منها العالم .

أما نحن ، فلا نطلب شفقة ، ولا امتيازات ، ولا كتابة تاريخ جديد .
نطلب فقط أن يُعترف بأن ما جرى لم يكن مجرد أرقام في تقارير ، بل حياة بشر ، وأحلام أسر ، وذاكرة وطن .
بعد ثلاثة وعشرين عامًا ، ما زلت أؤمن أن العراق أكبر من أزماته ، وأقدم من صراعاته ، وأوسع من كل محاولات اختزاله في هوية واحدة أو رواية واحدة .
وسيبقى كذلك ما دام فيه من يؤمن بأن المواطنة هي الأساس ، وأن كرامة الإنسان لا تُمنح لطائفة دون أخرى ، ولا لقومية دون أخرى ، بل هي حق لكل عراقي .

لقد خسرنا البيوت والممتلكات مرغمين ، وخسرنا الأموال والمدخرات ، وخسرنا سنوات من أعمارنا في المنافي ، لكن أخطر ما يمكن أن نخسره هو الإيمان بأن العراق يستحق مستقبلًا أفضل .
إن الوطن لا يموت عندما يغادره أبناؤه ، بل عندما يفقد القدرة على إقناعهم بالعودة .
ولذلك ، فإن رسالتي ليست إلى الماضي ، بل إلى المستقبل .
ليكن العراق وطنًا لا يُجبر فيه أحد على الرحيل ، ولا يشعر فيه أحد أنه غريب بسبب دينه أو قوميته أو رأيه ، ولا يضطر فيه أب إلى أن يحمل أطفاله نحو المنفى بحثًا عن الأمان .
ذلك هو العراق الذي ما زلنا نؤمن بأنه ممكن .
وذلك هو العراق الذي يستحق أن نكتب من أجله ، لا أن نبكي عليه ..

زر الذهاب إلى الأعلى