نزار العوصجي: من الإمبراطورية إلى الثورة

لا يمكن قراءة تاريخ الشرق الأوسط بمعزل عن الصراع الأزلي المستمر بين مشاريع النفوذ والهيمنة التي تعاقبت على المنطقة عبر القرون الماضية .
ومن بين تلك المشاريع العدوانية يبرز المشروع الفارسي الأكثر عدوانية بوصفه أحد أكثر المشاريع حضوراً واستمرارية في الذاكرة التاريخية والسياسية ، لما يكتنزه من شرور ، ليس فقط بسبب عمره الطويل ، بل بسبب قدرته على التلون وإعادة إنتاج نفسه بأشكال وشعارات مختلفة كلما تبدلت الظروف وتغيرت الأزمنة .
فمنذ قيام الإمبراطوريات الفارسية القديمة ، كان الطموح والسعي إلى التوسع وبسط النفوذ جزءاً أساسياً من فلسفة الدولة ومن رؤيتها لدورها الإقليمي .
لم تكن حدود القوة تتوقف عند الجغرافيا التي تسيطر عليها ، بل كانت تتجاوزها دائماً نحو فضاءات جديدة يُراد إخضاعها سياسياً أو عسكرياً أو اقتصادياً ، لتكون تحت سيطرته .
وعلى امتداد قرون طويلة ، تحولت مناطق واسعة من الشرق إلى مسرح لصراعات متواصلة كان محركها الأساسي التنافس على النفوذ والسيطرة وفرض الإرادة السياسية .
ولم يكن سقوط الإمبراطوريات القديمة نهاية لهذه الرؤية بقدر ما كان تحولاً في أشكال التعبير عنها .
فالأفكار الكبرى لا تموت بسقوط العروش ، بل كثيراً ما تعود بأسماء جديدة وشعارات مختلفة .
ولهذا يرى الكثير من المراقبين أن فهم سياسات إيران المعاصرة يقتضي العودة إلى التاريخ المفعم بالحقد ونكث العهود ، لا باعتباره سرداً للماضي ، بل بوصفه مفتاحاً لفهم الحاضر ..
لقد جاءت الثورة الإيرانية عام 1979 وهي ترفع شعارات دينية وثورية جذبت أنظار الكثيرين في العالم الإسلامي ، غير أن مسار الأحداث اللاحق دفع العالم وشعوب المنطقة إلى التساؤل : هل كان الهدف الحقيقي بناء نموذج ثوري مستقل ، أم إعادة تشكيل مشروع نفوذ إقليمي واسع تحت غطاء أيديولوجي جديد ؟
ومع مرور العقود ، أخذت ملامح هذا المشروع تتضح بصورة أكبر .
فقد تمدد النفوذ الإيراني خارج الحدود ، وتزايد الحضور السياسي والعسكري في عدد من الدول العربية ، وأصبحت المنطقة تشهد صراعاً متصاعداً حول الهوية والسلطة وموازين القوة .
لقد أثبتت الأحداث بما لا يرتقي اليه الشك إن ما يجري لا يمثل مجرد سياسة خارجية نشطة ، بل محاولة ممنهجة لبناء مجال نفوذ إقليمي يعيد لإيران موقع اللاعب المهيمن في الشرق الأوسط .
ويستند هذا الرأي إلى أن الخطاب الرسمي الإيراني كثيراً ما يستحضر مفاهيم المكانة التاريخية والدور الحضاري والعمق الاستراتيجي ، وهي مفاهيم يرى العقلاء الذين يدركون حقيقة نوايا النظام الخفية ، أنها تتقاطع مع تصورات قديمة تعتبر أن لإيران حقاً طبيعياً في ممارسة دور يتجاوز حدودها السياسية المعاصرة .
ومن هنا ينشأ الاعتقاد بأن المشروع الحالي الذي يتسم بنزعة عدوانية توسعية ، ليس منفصلاً تماماً عن الإرث الإمبراطوري الذي عرفته المنطقة في عصور سابقة ، بل يمثل امتداداً له بوسائل مختلفة وأدوات أكثر حداثة .
لقد تغيرت الجيوش وتبدلت الرايات وتغيرت الشعارات ، لكن السؤال الذي ما زال مطروحاً هو : هل تغيرت الفكرة ذاتها ؟
وهل نحن أمام دولة تسعى إلى حماية مصالحها القومية كبقية الدول ((كما تدعي)) ، أم أمام مشروع واسع عابر للحدود ، يسعى إلى إعادة رسم موازين المنطقة وفق رؤية تتجاوز حدود الدولة الوطنية ؟
إن الإجابة عن هذا السؤال تبقى موضع جدل سياسي وفكري واسع ، لكن ما لا يمكن إنكاره هو أن سياسات النفوذ والتدخل والصراع التي تشهدها المنطقة اليوم جعلت هذا النقاش أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى .
فالشعوب العربية التي دفعت أثمان الحروب والانقسامات لا تنظر إلى هذه التطورات بوصفها نقاشاً نظرياً في التاريخ ، بل باعتبارها واقعاً ينعكس مباشرة على أمنها واستقرارها ومستقبل أجيالها .
ومن هنا فإن نقد المشروع الإيراني لا ينبغي أن يُفهم باعتباره موقفاً من شعب أو ثقافة أو حضارة ، بل باعتباره نقداً لمشروع سياسي يرى فيه العقلاء من شعوب المنطقة ، محاولة لإحياء منطق الهيمنة بأدوات جديدة .
فالتاريخ ، مهما تغيرت وجوهه ، يظل قادراً على العودة عندما تجد أفكاره القديمة من يمهد السبيل ، ليعيد إحياءها ويمنحها لغة العصر وأدواته .
وهكذا يبقى السؤال مفتوحاً أمام المؤرخين والمفكرين وصناع القرار السياسي في ألعالم : هل تمثل سياسات إيران المعاصرة قطيعة مع الماضي الإمبراطوري ، أم أنها فصل جديد من قصة قديمة لم تنتهِ فصولها بعد ؟
هل عاد الحلم الفارسي بثوب جديد؟
الأيام القادمة كفيلة بالإجابة ..
