نزار العوصجي: إيران بين وهم القوة وحقيقة التآكل

“لن يستريح خامنئي حتى يتحقق النصر”؛ مقولة يتردد صداها على ألسنة قادة إيران الجدد ، رغم أن واقع الأحداث لا يزال بعيدًا عن صورة النصر التي يتخيلونها .
ويُقال إنه أوصى بألا يُوارى الثرى قبل أن يتحقق ما يصفونه بالنصر الحاسم على “الشيطان الأكبر”.
حتى إنهم استبعدوا قادة الفصائل الذين رضخوا لقرار تسليم السلاح للدولة من مراسم التشييع ، وعدّوهم متخاذلين خرجوا عن خط المواجهة ..
على مدى أكثر من أربعة عقود ، عمل النظام الإيراني على ترسيخ صورة لنفسه باعتباره قوة إقليمية قادرة على مواجهة العالم والصمود في وجه الضغوط والتحديات ، بل وعلى إعادة تشكيل التوازنات السياسية والأمنية في الشرق الأوسط وفق رؤيته الخاصة .
وقد استند هذا المشروع إلى مزيج من الخطاب الأيديولوجي والقدرات العسكرية والنفوذ الإقليمي ، إضافة إلى توظيف الصراع الخارجي كوسيلة لتعزيز التماسك الداخلي وإضفاء الشرعية على سياساته .
غير أن السنوات الأخيرة كشفت عن واقع مختلف تمامًا ، فالصورة التي سعى النظام إلى تقديمها عن نفسه بدأت تتعرض لاختبارات قاسية ، سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي ، فالأزمة الاقتصادية المستمرة ، وارتفاع معدلات التضخم ، وتراجع القوة الشرائية للمواطن الإيراني ، واتساع فجوة الثقة بين الشارع والسلطة ، كلها مؤشرات على وجود أزمة أعمق من مجرد ضغوط ظرفية أو تحديات مؤقتة ..
كيف تحولت سياسة كسب الوقت من مصدر قوة إلى اعتراف ضمني بالأزمة ؟
وفي الداخل الإيراني ، لم تعد الاحتجاجات المتكررة مجرد أحداث عابرة يمكن احتواؤها بالوسائل التقليدية ، بل أصبحت تعبيرًا متراكمًا عن حالة استياء واسعة تجاه الأوضاع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية .
كما أن هجرة العقول والكفاءات والشباب الباحثين عن فرص أفضل في الخارج تمثل مؤشرًا إضافيًا على تراجع الثقة بمستقبل الدولة في ظل السياسات الحالية .
أما على المستوى الخارجي ، فقد واجه المشروع الإقليمي الإيراني تحديات متزايدة أدت إلى استنزاف جزء مهم من موارده السياسية والاقتصادية والعسكرية .
وبينما كان الخطاب الرسمي يتحدث باستمرار عن توسيع النفوذ وتعزيز الحضور الإقليمي ، كانت الوقائع تشير إلى بيئة أكثر تعقيدًا وأقل قابلية لفرض الإرادة الإيرانية كما كان الحال في مراحل سابقة ..
ورغم كل هذه المؤشرات ، لا يزال النظام متمسكًا بخطاب القوة والانتصار ، وكأن شيئًا لم يتغير .
وهنا تكمن المفارقة الأساسية ، فكلما ازدادت التحديات وضوحًا ، ازداد تمسك السلطة بخطاب تعبوي يهدف إلى إظهار الثبات والثقة بالنفس .
لكن المشكلة أن الخطاب السياسي لا يستطيع إلى ما لا نهاية أن يحجب الحقائق الاقتصادية والاجتماعية والاستراتيجية .
لقد اعتمد النظام الإيراني ، منذ سنوات طويلة ، على سياسة تقوم على إختلاق الأزمات وإدارتها بدل حلها ، وعلى المراوغة السياسية بدل المواجهة الصريحة مع المشكلات المتراكمة .
وفي كل محطة مفصلية ، كان يسعى إلى كسب الوقت على أمل أن تتغير الظروف الدولية أو الإقليمية لصالحه ، وقد نجحت هذه السياسة في بعض المراحل ، لكنها تبدو اليوم أقل قدرة على تحقيق النتائج نفسها .
فالزمن الذي كان يمثل عنصرًا مساعدًا للنظام أصبح في كثير من الأحيان عنصر ضغط إضافي عليه ، والأزمات التي كانت تُرحَّل من عام إلى آخر لم تعد قابلة للتأجيل بالسهولة ذاتها ، بل إن تفاقمها وتراكمها المستمر جعلها أكثر تعقيدًا وأعلى كلفة من أي وقت مضى ..
كما أن الطبيعة الراديكالية للنظام ساهمت في تعميق هذه الأزمة ، فالأنظمة العقائدية غالبًا ما تواجه صعوبة في مراجعة خياراتها أو الاعتراف بإخفاقاتها ، لأن ذلك يُنظر إليه باعتباره تراجعًا عن المبادئ المؤسسة لها ، ومن هنا يصبح الإصرار على السياسات المتخبطة نفسها جزءًا من المشكلة بدل أن يكون جزءًا من الحل .
إن القوة الحقيقية للدول لا تُقاس بعدد الشعارات التي ترفعها ولا بحجم الخطاب الذي تنتجه ، بل بقدرتها على تحقيق الاستقرار والتنمية وكسب ثقة مواطنيها والتكيف مع المتغيرات من حولها .
وعندما تصبح الفجوة بين الرواية الرسمية والواقع واسعة إلى هذا الحد ، فإن السؤال لا يعود متعلقًا بصورة الدولة ، بل بمستقبل المشروع الذي تقوم عليه ..
لا أحد يستطيع التنبؤ بموعد التحولات الكبرى أو شكلها النهائي ، لكن المؤكد أن التاريخ أثبت مرارًا أن الأنظمة التي ترفض الإصلاح وتكتفي بشراء الوقت تكتشف في النهاية أن الوقت نفسه أصبح خصمها الأكبر . فالمراوغة قد تؤجل الاستحقاقات ، لكنها لا تلغيها ، والدعاية قد تؤخر مواجهة الواقع ، لكنها لا تستطيع تغييره .
وفي نهاية المطاف ، قد يتمكن النظام الإيراني من الاستمرار سنوات أخرى ، وقد ينجح في تجاوز أزمات مرحلية كما فعل في السابق ، لكن ذلك لا ينفي حقيقة أن عوامل التآكل تتراكم بوتيرة عالية ومتسارعة .
وحين تتحول إدارة الأزمات إلى بديل عن حلها ، وحين يصبح كسب الوقت استراتيجية دائمة لا مرحلة مؤقتة ، فإن السؤال الحقيقي لا يكون عن قوة النظام ، بل عن قدرته على البقاء بالشكل ذاته الذي عرفه العالم طوال العقود الماضية .
فالتاريخ لا يسقط الأنظمة في يوم واحد ، بل يفعل ذلك على مراحل طويلة من الإنكار والمكابرة وتجاهل الحقائق .
وعندما يحين موعد الحساب ، لا تكون الشعارات هي التي تحدد المصير ، بل الوقائع التي جرى تجاهلها لسنوات ..
