ثقافة

من التنظير الفكري إلى التأثير الميداني.. كيف اسهم أ.د عبدالرزاق الدليمي في اعادة رسم خارطة دراسات الإعلام والبحث العلمي

الباحث احمد علي الساعدي


تحظى مؤلفات ومقالات الأستاذ الدكتور عبد الرزاق محمد الدليمي بتقدير نقدي واسع خاصة وأن النقاد ينظرون إليه كجسر يربط بين المدرسة الكلاسيكية في الإعلام وبين تكنولوجيا الاتصال الرقمية الحديثة
ويمكن تسليط الضوء على ابرز مايتداوله النقاد والأكاديميون حول نتاجه الفكري:
اولاً: الرؤية النقدية للمنهج العلمي
يرى النقاد أن الدكتور الدليمي يتميز بالواقعية التحليلية فهو لا يكتفي بسرد النظريات بل يفككها ليرى مدى صلاحيتها للواقع العربي.
١-نقد الأدوات حيث يشيد النقاد بقدرته على تطويع مفاهيم معقدة مثل الحرب النفسية” والدعاية الرقمية وتبسيطها دون الإخلال بعمقها العلمي.
٢-الجرأة الأكاديمية ويُحسب له في الوسط النقدي طرقه لمواضيع حساسة تتعلق بكيفية استخدام القوى العظمى للإعلام كأداة للهيمنة وهو ما يجعل كتاباته توصف بأنها أدب إعلامي مقاوم
ثانياً: التقييم الفني والأسلوبي (السهل الممتنع)…يتفق النقاد على أن أسلوب الدليمي في الكتابة يتبع منهج السهل الممتنع من حيث:
١-اللغة:توصف لغته بأنها نظيفة وخالية من الحشو ومباشرة وتستخدم المصطلحات الأكاديمية بشكل دقيق وعميق في سياق يخدم القارئ العام والمتخصص على حد سواء.
٢-البناء المنطقي:يشيد النقاد بتسلسل الأفكار في مقالاته … حيث يبدأ بالتشخيص (المشكلة) ثم ينتقل للتحليل (الأسباب) وينتهي غالباً باستشراف الحلول.
ثالثاً : الصدى في نقد النقد والمراجعات العلمية … عند مراجعة كتبه (مثل: الإعلام المتخصص ومجموعة كتب العلاقات العامة وكتب البحث العلمي مثلا لا حصرا) في المجلات الأكاديمية المحكمة تبرز النقاط التالية:
أ.التحديث المستمر: يثني النقاد على حرصه على تحديث طبعات كتبه لتشمل الذكاء الاصطناعي والإعلام الجديد مما يجعل مادتها حية وغير متقادمة.
ب.الموضوعية: فرغم خلفيته الأكاديمية الرصينة يرى النقاد أنه يمتلك شجاعة نقد المؤسسات الإعلامية العربية وتراجع دورها في صناعة الوعي.
رابعا: كيف يتم تقييم تأثيره نقدياً؟
النقاد يستخدمون أدوات محددة لتقييم صدى أعماله منها:

  1. مدى التبني: هناك عدد كبير من الجامعات العربية التي تعتمد كتبه كمنهاج رسمي (وهو عدد كبير جداً في العراق والأردن ودول الخليج والمغرب العربي).
    2.المساجلات الفكرية:المقالات الرديفة التي يكتبها باحثون آخرون بناءً على طروحاته فالمقال الذي يولد ردود فعل بحثية يعتبر حيوياً وناجحاً نقدياً.
    3.الجوائز والتكريمات:نيله لجوائز أكاديمية وتقديرية يعكس الرضا النقدي والمؤسساتي عن مسيرته.
    4.⁠ ⁠يُصنف الدكتور الدليمي نقدياً كأحد ابرز أعمدة المدرسة النقدية العربية في الإعلام التي تحذر من الاستلاب الثقافي وتدعو لامتلاك أدوات القوة الإعلامية.
    خامساً: استعراض صدى مقالات وأعمال الأستاذ الدكتور عبد الرزاق الدليمي وتطور تقييمها النقدي بالتعاقب الزمني والمنهجي حيث مر نتاجه بمراحل واكبت تطور الإعلام نفسه:
    أ- مرحلة التأسيس والنظرية (الإعلام التقليدي) في هذه المرحلة ركز الدكتور الدليمي على وضع الأسس الأكاديمية.
    1.الصدى:اعتبر النقاد مؤلفاته في هذه الفترة “قواعد بيانات” لطلبة الإعلام. كان التركيز على مفاهيم الإعلام الدولي والخبر والتحرير.
    2.التقييم النقدي:أُشيد بقدرته على تعريب المصطلحات الغربية الصعبة وتقديمها في قالب يناسب البيئة العربية. نُظر إليه كأكاديمي يلتزم بالمنهجية الرصينة والحياد العلمي.
    ب-مرحلة النقد السياسي والإعلامي (الحرب النفسية والدعاية)هنا بدأ صدى مقالاته يتجاوز أسوار الجامعات ليصل إلى مراكز القرار والصحافة السياسية.
    1.الصدى:أحدثت كتاباته حول الحرب النفسية صدىً واسعاً خاصة في فترات الأزمات التي شهدتها المنطقة العربية. بدأ الجمهور يقرأ له لفهم ما يجري خلف كواليس الرسائل الإعلامية الموجهة.
    2.التقييم النقدي:صنفه النقاد هنا كمحلل استراتيجي بجانب كونه أكاديمياً. تم تقييم مقالاته بناءً على القدرة التنبؤية التحليلية الدقيقة أي مدى دقة توقعاته لمسارات الأحداث بناءً على تحليل الدعاية السياسية.
    ج-مرحلة الإعلام الجديد والتحول الرقمي
    مع ظهور الإنترنت ومنصات التواصل واكب الدكتور الدليمي هذا التحول بسرعة فائقة.
    1.الصدى:ركزت مقالاته على الإعلام الرقمي و”الأمن السيبراني الإعلامي”. كان الصدى كبيراً بين جيل الشباب من الباحثين الذين وجدوا في كتاباته تحديثاً للمفاهيم القديمة.
    2.التقييم النقدي:أثنى النقاد على مرونته الفكرية. فبينما تمسك غيره بالقوالب القديمة قام هو بتفكيك “ديمقراطية الإعلام” المزعومة في الفضاء الرقمي محذراً من الاستعمار الإلكتروني الجديد.
    د-مرحلة المدرسة الفكرية الخاصة
    في السنوات الأخيرة أصبح يُنظر لكل ما ينشره كجزء من (مدرسة الدليمي) في الإعلام.
  2. الصدى:مقالاته الآن تُترجم أو تُناقش في ندوات عربية ودولية كمرجع لرؤية العالم الثالث تجاه الهيمنة الإعلامية الغربية.
    2.التقييم النقدي:التقييم الحالي يركز على الأصالة الفلسفية … لم يعد التقييم يقتصر على المعلومة بل على الموقف الأخلاقي والمهني العلمي الذي يتخذه في كتاباته ودفاعه المستمر عن أخلاقيات المهنة التي تراجعت في زمن التريندات؟!
    سادساً:التعاقب المنهجي لتقييم أعماله:
    ١.المرحلة الأكاديمية الاولى ركز فيها على
    النظريات والقواعد للنشاط الجامعي/الطلابي والدقة والمنهجية
    ٢.الاستراتيجية وركز فيها على الدعاية والحرب النفسية والنشاط السياسي/الفكري والعمق التحليلي والاستشراف
    ٣.⁠ ⁠المرحلة الرقمية وركز فيها على الإعلام الجديد والذكاء الاصطناعي والجوانب التقنية والشبابية والموضوعات المعاصرة والمرونة الفكرية
    ٤.⁠ ⁠المرحلة الفلسفية وركز فيها على أخلاقيات الإعلام والهوية والشمولية العالمية والموقف الأخلاقي والرصانة
    في ضوء ماتقدم وهو قليل من كثير نؤكد
    ان مدرسة الأستاذ الدكتور عبد الرزاق الدليمي تركت بصمة عميقة في جيل الباحثين العرب سواء من تلامذته المباشرين أو المتأثرين بكتبه (وانا منهم )ويمكن تلخيص هذا التأثير في عدة نقاط جوهرية شكلت الوجدان البحثي المعاصر:
  3. التحول من أسلوب الوصف إلى منهج التحليل النقدي فقبل انتشار منهجية الدليمي كان الكثير من الباحثين الشباب يميلون إلى الدراسات الوصفية (نقل الأرقام والبيانات).
    2.الأثر:علم الدليمي هذا الجيل أن الباحث الإعلامي ليس جامع بيانات بل هو محلل ظواهر ودفعهم للتساؤل دائماً: لماذا تُنشر هذه الرسالة الآن؟ ومن المستفيد منها؟ وما هي القوة الناعمة الكامنة خلفها؟
    3.كسر عقدة الخواجا ؟! في نظريات الإعلام
    كان الجيل السابق يقدس النظريات الغربية وكأنها مسلّمات لا تقبل النقاش.
    4.الأثر: من خلال نتاجه غرس في الباحثين روح النقد المعرفي شجعهم على اختبار النظريات الغربية (مثل ترتيب الأجندة أو حارس البوابة وغيرهما الكثير ) في البيئة العربية الخاصة ومعرفة مدى مواءمتها لثقافتنا وواقعنا السياسي والمجتمعي.
    5 . الربط الوثيق بين الإعلام والأمن القومي
    أخرج الدليمي البحث الإعلامي من إطار الفنون الصحفية المجردة الضيق إلى رحاب الأمن الاستراتيجي الواسع والعميق.
    6.الأثر:تأثر به جيل كامل من الباحثين الذين بدأوا يكتبون في تخصصات دقيقة مثل: الإعلام والأمن و الحرب النفسية الرقمية وتزييف الوعي). أصبح الباحث الشاب ينظر للخبر ليس كمادة صحفية فقط بل كأداة في صراع القوى.
    7.المرجعية المنهجية في كتابة الرسائل العلمية…تُعد كتبه حول مناهج البحث العلمي هي البوصلة التي لا يكاد يخلو منها مقترح بحثي (Proposal) في كليات الإعلام العربية.مما ساعد الباحثين على ضبط أدواتهم البحثية (مثل تحليل المحتوى أو تحليل الخطاب). الجيل الحالي يدين له بتوحيد المصطلحات العلمية وتقعيد القواعد المنهجية
زر الذهاب إلى الأعلى