آراء

د. عبدالرزاق محمد الدليمي: الاتفاق الأمريكي الإيراني.. صفقة المصالح الكبرى وسقوط أوهام الحماية

المتغطي بأمريكا عريان


طيلة الفترات الماضية كان كثيرين يتهمونني او ينعتوني بان نظرتي لما يحدث في العراق والمنطقة متشائمة جدا ! ومنذ ٢/٢٨ الماضي سمعت كثيرا من هذه المجموعة المتفائلة بغير موضع التفاؤل الم نقل لك أن تقييمك سوداوي وغير دقيق وان أمريكا فاض الكيل بها وسوف تغير الوضع بالعراق مثلما فعلت بسوريا ووووو!؟… طبعا انا احترمت ولا ازال تلك الاراء ووجاهتها لكن احد النقاط المفصلية التي بنيت عليها سوداويتي ان امريكا دولة مؤسسات تحكمها مصالحها بصرف النظر عن النتايج الكارثية التي قد تتسبب بها على الآخرين حتى لو كانوا من اقرب حلفائها ومن قدموا لها دعمهم المادي كم هايل بالمليارات من الدولارات ؟!
نعم نحن نتعامل الان مايسربه كل طرف فالجانب الامريكي يركز على المزايا التي ستتحقق لأمريكا اولا (النصر الموهوم )وما يمكن ان ينعكس على صورة ترامب والجمهوريين لدى الرأي العام الأمريكي وعسى ان يكون الاتفاق الهدنة مقدمه لمكاسب يعتقدها ترامب انتصاراً وان كانت كما قلنا على حساب الحلفاء؟! وملالي ايران يركزون على مكاسبهم من اتفاق الهدنة وأظنها مكاسب مهمة جدا ؟!
سأحاول هنا ان ادلوا بدلوي في تسليط الضوء على الحيثيات والآثار المحتملة لاتفاق الهدنة علينا وعلى الآخرين.
اعتقد انا وكل انسان عاقل يتمنون السلام والوئام ولا يحبون ان يشاهدوا مناظر الموت سيما لاناس لا ناقة لهم ولأجمل من جميع الشعوب فيما يقرره السياسيين ومشاكلهم .
ينسب إلى محمد حسني مبارك المقولة المشهورة إن “المتغطي بأمريكا عريان” ويبدو أن التطورات الأخيرة في مسار التفاهم الأمريكي–الإيراني تعيد إحياء هذا المثل بقوة في الشرق الأوسط. فبعد سنوات من التصعيد والحروب بالوكالة والتهديدات المتبادلة، تشير المؤشرات السياسية إلى وجود تفاهمات أو اتفاقات غير معلنة بين واشنطن وطهران وهو ما يطرح أسئلة جوهرية حول ما يجري خلف الكواليس ومن هم الرابحون والخاسرون في هذه المعادلة الجديدة.

أولاً: ماذا وراء هذا الاتفاق الأمريكي–الإيراني؟
ينسب أيضا إلى ونستون تشرشل رئيس وزراء بريطانيا الأسبق قوله المأثور في السياسة الدولية لا توجد صداقات دائمة ولا عداوات دائمة بل توجد مصالح دائمة. الولايات المتحدة تدرك أن الصدام المباشر مع إيران مكلف عسكرياً واقتصادياً خصوصاً مع اتساع رقعة التوتر في الشرق الأوسط وتأثير ذلك على سوق الطاقة والاقتصاد العالمي. لذلك تميل واشنطن غالباً إلى إدارة الصراع لا حسمه كما اكدنا ذلك في مقالات كثيرة سابقة ؟
أما ملالي إيران فهم بحاجة إلى تخفيف الضغوط الاقتصادية والعقوبات التي أثقلت كاهل اقتصاد ايران …لذا فإن أي تفاهم مع واشنطن يمنحهم فرصة لالتقاط الأنفاس وتثبيت نفوذهم الإقليمي بشكل غير مباشر. من هنا يمكن تفسير الاتفاق باعتباره صفقة مؤقتة تقوم على تبادل المصالح وتهدئة مقابل تنازلات محدودة.

ثانياً: مصير المليشيات في العراق وحزب الله والحوثيين وغيرهم؟!
المليشيات المرتبطة بإيران في العراق وحزب الله في لبنان والحوثيين هم أدوات استراتيجية في النفوذ الإيراني. لكن في أي صفقة أمريكية–إيرانية قد تتحول هذه القوى إلى أوراق تفاوض.
قد لا يجري تفكيكها بشكل مباشر لكن من المحتمل تقليص دورها العسكري أو ضبط نشاطها بما يتوافق مع التفاهمات الجديدة. بمعنى آخر قد تنتقل من مرحلة الأداة العسكرية المفتوحة إلى الورقة السياسية القابلة للضبط ؟! خصوصاً إذا كان ذلك جزءاً من صفقة أوسع لإعادة ترتيب المشهد الإقليمي.

ثالثاً: وضع النظام السياسي في العراق
العراق هو الساحة الأكثر تأثراً بأي تفاهم أمريكي–إيراني لأن النظام السياسي الفاشل الفاسد الحالي نشأ في ظل توازن النفوذ بين الطرفين. فإذا اتفقت واشنطن وطهران على تخفيف التوتر فقد ينعكس ذلك على شكل تسوية داخلية تُبقي النظام القائم مع بعض التعديلات الشكلية (تبقى حليمة على عادتها القديمة)؟؟!!
لكن المشكلة الحقيقية في العراق ليست فقط في التوازنات الخارجية بل في الفساد البنيوي وسوء الإدارة. ولذلك فإن أي اتفاق دولي لن يحل الأزمة العراقية ما لم يرافقه إصلاح سياسي حقيقي يعيد بناء الدولة ومؤسساتها وهذا على مايبدو ليس مطروحا على بساط البحث والتفاوض فمصالح أمريكا بالمنطقة اكبر من الجزئيات (كما تراها أمريكا التي إن اقتضت مصالحها الأساسية فلا مانع لديها من ادارة ظهرها لكل ما صرح به ترامب وادارته حول العراق منذ مجيئ ترامب بولايته الثانية بداية ٢٠٢٥؟!

رابعاً: موقف إسرائيل ومصالحها
رغم علاقة إسرائيل سيما نتنياهو مع ترامب الشخصية المحورية وقدرة اللوبي الصهيوني على الضغط على ادارة ترامب مع ذلك فإسرائيل تنظر إلى أي اتفاق مع ملالي إيران بعين الشك والقلق. فهي ترى أن طهران بحكم الملالي تمثل تهديداً استراتيجياً بسبب برنامجها النووي ونفوذها الإقليمي. لذلك تسعى إسرائيل دائماً إلى ضمان أن أي اتفاق لا يسمح لإيران بتعزيز قدراتها العسكرية أو الاقتراب من امتلاك سلاح نووي.
ومع ذلك قد تجد إسرائيل نفسها مضطرة للتكيف مع أي تفاهم أمريكي–إيراني إذا كان يضمن لها الحد الأدنى من الأمن أو يضع قيوداً على البرنامج النووي الإيراني وربما ادارة ترامب عليها ان تراعي مصالح إسرائيل بينما هي ليست مضطرة او مهتمة كثيرا بمراعاة وضع العراق وشعبه الذي عانى ويعاني من نتائج احتلاله من قبل امريكا ؟؟!!

الذي نحن متأكدين منه ان الشرق الأوسط بل والعالم يعيش مرحلة إعادة ترتيب كبرى حيث تتغير التحالفات وتتبدل موازين القوى بسرعة. وان اتفاق الهدنة الأمريكي–الإيراني – إن صحّ وجوده أو تعمّق مستقبلاً – لن يكون نهاية الصراع بل هو إيذان ببداية مرحلة جديدة وبيئة مختلفة من إدارة المصالح بين القوى الكبرى وتبادل لأدوار اللاعبين في تحقيق مصالح الكبار على حساب ضياع الصغار الذين اصبحوا جنود يضحى بهم برقعة الشطرنج التنافسية للقوى المهيمنة لحد الان على العالم.
وفي هذه اللعبة الدولية تبقى الحقيقة الأبرز أن الدول الصغيرة أو الأنظمة الضعيفة هي الأكثر عرضة للتغيير أو التضحية بها، بينما تستمر القوى الكبرى في عقد الصفقات وفقاً لحسابات الربح والخسارة.
ولهذا فإن الدرس الأهم في السياسة هو أن الاعتماد على الخارج امريكا او غيرها لا يصنع قوة حقيقية بل إن القوة الحقيقية تبدأ من بناء دولة قوية ومؤسسات مستقلة قادرة على حماية مصالحها بعيداً عن رهانات الآخرين وفي حالة العراق المحتل يجب على القوى الوطنية العراقية المعارضة أن تعيد بناء مشروعها الوطني الحقيقي بشكل موضوعي وواقعي لإنقاذ العراق مما وصل اليه من سوء وتخلف وكوارث مع ملاحظة أن ذلك يجب أن يكون عبر البوابة الأمريكية لانها دولة الاحتلال شئنا أم ابينا واليد التي لاتستطيع ان تلويها صافحها وأمريكا لن تترك احتلال العراق إلا بحدوث متغيرات عالمية تجبرها على ذلك او احداث في داخل الولايات المتحدة تجعلها غير متحدة ومتصارعة ؟!والكرة اليوم وغدا في ملعب دعاة الوطنية فهل من لاعبين يستغلونها ويسجلون الاهداف لصالح العراق واهله؟!

زر الذهاب إلى الأعلى