آراء

روبيرت ملحم: أكيتو.. قصة شعب لا ينكسر… قضية هوية ووجود

يصادف الأول من نيسان من كل عام عيد أكيتو، وهو رأس السنة البابلية الآشورية، وأحد أقدم الأعياد في تاريخ البشرية. لا يمثل هذا اليوم مجرد مناسبة زمنية لبداية عام جديد، بل هو امتداد حي لإرث حضاري عريق نشأ في أرض بلاد ما بين النهرين، حيث بزغت أولى ملامح التنظيم الاجتماعي، والكتابة، والقانون.
يرتبط عيد أكيتو بجذور عميقة تعود إلى حضارات الحضارة البابلية والحضارة الآشورية، حيث كان يحتفل به مع بداية الربيع، رمزاً لتجدد الحياة وانتصار الخصب على الجفاف. وقد شكل هذا العيد في العصور القديمة طقساً دينياً ووطنياً في آن واحد، إذ كانت تقام الاحتفالات الكبرى في المعابد، وتتلى النصوص المقدسة، وتجدد العهود بين الحاكم والشعب، في مشهد يجسد وحدة الأرض والسماء، الإنسان والآلهة.
لم يكن أكيتو مجرد احتفال موسمي، بل كان يحمل دلالات سياسية واجتماعية عميقة. ففي مدينة بابل، على سبيل المثال، كانت الاحتفالات تمتد لأيام عدة، تتخللها طقوس تعكس إعادة تنظيم الكون واستعادة النظام بعد الفوضى، في تصور رمزي لدورة الحياة. وكان الملك يخضع لطقوس خاصة تؤكد مسؤوليته أمام الشعب والآلهة، في رسالة واضحة بأن الحكم ليس امتيازاً مطلقاً بل تكليفاً أخلاقياً.
اليوم، وبعد آلاف السنين، لا يزال هذا العيد حاضراً في وجدان أبناء الشعب الآشوري الكلداني السرياني، سواء في الوطن أو في المهجر. فقد تحول أكيتو إلى رمز للهوية الثقافية والصمود في وجه التحديات التي مرت بها هذه الشعوب عبر التاريخ. في مدن بغداد وأربيل ودهوك ونينوى، كما في عواصم الاغتراب حول العالم، تقام المسيرات الاحتفالية، وترفع الأعلام، وترتدى الأزياء التراثية، في تعبير حي عن التمسك بالجذور والانتماء.
كما يحمل العيد في العصر الحديث بعداً ثقافياً وإنسانياً يتجاوز حدوده القومية، إذ يذكر العالم بأهمية الحفاظ على التراث الإنساني المشترك، وعلى التنوع الثقافي الذي يعد أحد أعمدة الحضارة الحديثة. وفي زمن تتسارع فيه التحولات وتذوب فيه الخصوصيات، يبرز أكيتو كرسالة تؤكد أن الشعوب التي تحفظ ذاكرتها، قادرة على صناعة مستقبلها.
إن الاحتفال برأس السنة البابلية الآشورية ليس مجرد استذكار للماضي، بل هو فعل مقاومة للنسيان، وإصرار على الاستمرار. هو احتفاء بالحياة، وبالإنسان، وبالقيم التي صاغت واحدة من أعظم حضارات التاريخ. وبينما تتجدد الطبيعة مع قدوم الربيع، يتجدد الأمل أيضاً في أن تبقى هذه الثقافة نابضة، تنقل رسالتها من جيل إلى جيل.
في الأول من نيسان، لا يبدأ عام جديد فحسب، بل تتجدد قصة شعب، وتروى حكاية حضارة لم تنطفئ، رغم كل ما مر بها من عواصف. إنه يوم يختصر فيه الزمن، وتلتقي فيه البداية بالنهاية، ليبقى أكيتو شاهداً على أن التاريخ الحي لا يمحى، بل يعاد كتابته في ذاكرة الأجيال.

زر الذهاب إلى الأعلى