موفق الخطاب: تحت المجهر.. ما بعد كواليس باريس

عندما نقرأ ما يجري اليوم في محيط إيران، لا ينبغي أن نراه مجرد تبادل للضربات أو صراع عسكري لإزاحة نظام، بل هو مشهد من دراما سياسية واستراتيجية طويلة بدأت فصولها منذ أكثر من أربعة عقود.
فالقصة لم تبدأ بالصواريخ والمسيرات التي تتطاير اليوم ولا مشكلة نسب التخصيب ، بل بدأت يوم أُتيح لإيران أن تتمدد في قلب المشرق العربي دون اعتراضٍ حاسم بل بدعم وتسهيل دولي لمقاصد .
فمنذ الزلزال الجيوسياسي الذي أعقب احتلال العراق عام 2003 ، تغيّر ميزان القوى في المنطقة.
فالولايات المتحدة الأمريكية لم تكن تبحث عن حلفاء و شركاء بقدر ما كانت تبحث عن أدوات لإعادة تشكيل المنطقة او لنسمهم (مقاولين) . وفي هذا السياق تقدمت ايران منفردة بالتخادم معها وقدمت عرضها و فازت و أحيل العمل بعهدتها، و وجدت طهران مساحةً واسعة للتحرك في بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء ، فبنت شبكة نفوذٍ عابرة للحدود عبر أحزاب وميليشيات مسلحة وامتدت خلاياها حتى دول الخليج والمغرب العربي.
لكن الخطأ الاستراتيجي الذي وقع فيه المرشد صانع القرار في طهران وطاقمه كان اعتقاده أن هذا التمدد يمثل اعترافاً دولياً بدورها كقوة إقليمية شريكة.
بينما كانت النظرة في الإدارة الأميركية و دوائر القرار الغربية مختلفة تماماً؛ إذ رأت في هذا الدور وسيلة لخلق حالة ضعف داخل العالم العربي، بحيث تنشغل دول المنطقة بصراعات الهوية والطائفية، وتُستنزف قواها في حروب داخلية لا رابح فيها ويمثل ذلك هدفا يفوق مهمة العرب المصيرية في التصدي لمخططات الصهيونية وقضية فلسطين المركزية.
خلال تلك السنوات، تحولت الميليشيات المرتبطة بإيران إلى قوة مؤثرة في ساحات متعددة، خصوصاً في العراق وسوريا ولبنان واليمن. وبدا وكأن طهران تبني ما يشبه هلال نفوذ سياسي وعسكري يمتد عبر المشرق وبات يعرف (بالهلال الشيعي).
غير أن هذا التوسع نفسه خلق لها مشكلةً أخرى:
فقد زرع حولها طوقاً من الخصومات والكراهية السياسية في محيطها العربي والاسلامي.
وهنا يظهر ما يمكن تسميته مبدأ
“المنشار الاستراتيجي”؛
وهو أن القوى الكبرى تستخدم الأدوات الإقليمية لتحقيق أهداف مرحلية، ثم لا تسمح لها بأن تتحول إلى قوةٍ مستقلة قد تنافسها أو تهدد توازناتها.
فالقوى العظمى بطبعها لا تسمح لأداة وظيفية أن تتحول إلى شريك او ند استراتيجي.
لذا فالمرحلة الحالية تمثل ساعة القطاف ؛ أي اللحظة التي تنتقل فيها السياسة من مرحلة الاستخدام غير المباشر إلى مرحلة الاحتواء والضغط ثم انهاء الخدمات والتخلص من تلك الادوات .
فحين يكتمل الدور الوظيفي لأي قوة إقليمية، يصبح من الطبيعي في منطق القوى الكبرى أن تُعاد صياغة التوازنات من جديد.
الخلاصة:
إن ما يجري اليوم ليس مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل فصل جديد من صراع النفوذ في الشرق الأوسط. فقد توهمت طهران أنها شريكٌ في صياغة التوازنات الإقليمية، لكنها مجرد ( مقاول هدم ) و كانت جزءا من لعبة أكبر تُدار بمنطق المصالح الدولية.
وفي نهاية المطاف، سيكتشف الجميع أن المنطقة لم تكن مسرحا لتحالفاتٍ ثابتة ، بل ساحة أدوات متغيرة تستخدمها القوى الكبرى لتحقيق أهدافها، ثم تعيد ترتيبها كلما تغيرت الحسابات.
وهكذا يستمر “المنشار السياسي” في العمل صعوداً ونزولاً بين التدمير و الاستنزاف ، بينما تبقى شعوب المنطقة وانظمتها واقتصادياتها مرتهنة للقوى الكبرى وترضخ صاغرة للمرتسمات والتحالفات الجديدة التي تعد في مطابخهم و هي التي ستدفع الثمن الأكبر من الاستنزاف والصراع .
هكذا كان دور نظام طهران منذ البداية عندما أعد له دوره التخريبي في (( كواليس باريس ))حتى النهاية فقد حرق المنطقة بمجيئه و هو يحترق اليوم مورثا الدمار والخراب لشعبه وشعوب المنطقة برحيله .
