د. علي الجابري: التحشيد الأمريكي.. ردع محسوب أم استعداد فعلي للحرب؟

التحركات التي تقوم بها الولايات المتحدة الامريكية، من تحشيد ونقل لأحدث ترسانتها العسكرية الى منطقة الشرق الاوسط، والتي عززتها في الايام الماضية بإرسال حاملة طائرات ثانية وتمديد انتشار “يو اس اس جيرالد آر فورد”، وتفعيل جسر جوي كثيف لنقل طائرات نقل ثقيل ومقاتلات (F-35) وطائرات حرب الكترونية الى قواعد الأردن والخليج، لا يمكن ان يكون مجرد استعراض عابر للقوة ! فالتاريخ يعلمنا ان الجيوش لا تتحرك بهذا الحجم من أجل رسالة رمزية فقط؟ وعندها لا يكون السؤال هل هناك تصعيد محتمل، بل الى مدى سيصل؟
والردع العسكري عادة ما يكتفي بإستعراض القدرات التي يمتلكها كل طرف، لكن ما نشهده اليوم يتجاوز ذلك بكثير، حيث يتم بناء قدرات عملياتية عسكرية قابلة للتنفيذ، ونلاحظ النقل المستمر للعتاد ودعم للتزود بالوقود جواً وانتشار للمقاتلات الشبحية، بالتوازي مع تعزيز التموضع البحري، وهذه مؤشرات يعدّها الخبراء أقرب لان تكون مخططات لتنفيذ حملة عسكرية يمكن ان تستمر لأسابيع، وليس مجرد ضربة محدودة، وهو ما اكدته مصادر امريكية لرويترز من ان الولايات المتحدة تستعد لمواجهات قد تستمر لأسابيع، وليس الاكتفاء بضربة خاطفة!
ورغم ان الجاهزية لا تعني حسم قرار الحرب في الاستراتيجية الامريكية، وربما تندرج في إطار فرض سقف تفاوضي رادع كما حصل في تجارب تاريخية سابقة، مثل أزمة كوبا عام 1962 , وأزمة مضيق تايوان عام 1996، والتصعيد مع إيران عام 2019.
إلا ان المؤشر الحقيقي لنوايا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لا يكون بتصريحاته المتناقضة بين ساعة وأخرى، وإنما في طبيعة ما يُخزّن في القواعد الامريكية الأمامية في المنطقة ، وحجم الذخائر واستعدادات الاستدامة الطويلة، وهي مؤشرات تقودنا الى التمييز بين الردع والحرب الوشيكة!
حتى الآن تبدو الصورة تحتمل الاتجاهين: تحشيد للردع، لكنه مكتمل البنية ليكون كافياً للانطلاق في عمل عسكري واسع، اذا ما قرر الرئيس الأمريكي انه الحل الانجع للتعامل مع النظام الايراني!
إن ما يُطلق عليه “محاولات الردع” في الشرق الأوسط اليوم ليست نقيضاً للحرب، وانما ظلها المباشر، وكل حرب شهدتها المنطقة، سبقتها مرحلة قيل عنها إنها “ردع”، وما نراه اليوم قد يكون استمراراً لهذا النمط، حيث لا يكون الفارق بين التهديد والتنفيذ إلا قراراً مؤجلاً.. لا أكثر!
رئيس تحرير صحيفة يورو تايمز السويدية
