آراء

د. عبدالرزاق محمد الدليمي: دولة في العراق المحتل معلّقة بين الداخل المخترق والخارج المتحكّم

منذ احتلاله بالتاسع من نيسان 2003 يعيش العراق حالة مركّبة من الانسداد الهيكلي انسداد لا يقتصر بعد كل مسرحية انتخابات على تعثّر انتخاب رئيس أو تشكيل حكومة بل يمتد إلى بنية النظام السياسي المتهرئ ذاته الذي تأسس في ظل الاحتلال ويتغذى على المحاصصة بأبشع صورها وتأثيراتها البشعة وبقي هشّاً أمام الاختراقات الداخلية والضغوط الإقليمية والدولية. اليوم مرة اخرى تتقاطع ملفات الرئاسة والأمن وأكذوبة السيادة والاستقلال والسياسة الخارجية والوحدة الوطنية التي لاوجود لها لتكشف حقيقة احد مآزق مايسمى بالدولة العراقية بوصفها ساحة أكثر من كونها فاعلاً.

في ملف انتخاب رئيس الجمهورية مثلا يتجلى العطب بكل تجلياته بوضوح. فالعرف السياسي المبتكر من الثلة السياسية الفاسدة لتلبية مصالحها فقط والذي حصر المنصب بالمكوّن (عراقي من الكرد) تحوّل من عامل “توازن” إلى عقدة تعطيل. الخلاف المزمن بين جماعة البارزاني وبافل الطالباني لم يعد خلافاً على شخص بعينه بل على النفوذ والمصالح ورواية الاستحقاق !!! يضاف إلى ذلك شرط نصاب الثلثين في البرلمان الذي حوّل انتخاب الرئيس إلى ورقة ابتزاز سياسي تُستخدم لفرض شروط تتعلق بتشكيل الحكومة المقبلة. وبين خطاب حكومة محاصصة اكذوبة الأغلبية التي ابتكرها الاحتلال الامريكي البريطاني وواقع التوافق الإجباري سيبقى المنصب بوابة انسداد لا بوابة حل.

هذا الشلل والخلل السياسي انعكس وسيبقى ينعكس مباشرة على الملفات لاسيما الأمني الملغوم ومنها نسج قضية نقل آلاف معتقلي تنظيم داعش من سوريا إلى العراق. أمنياً يمثل القرار مخاطرة كبيرة في بلد يمتلك ذاكرة مؤلمة مع اقتحام السجون وهروب الإرهابيين في زمن ولاية المالكي وإدارة هذا العدد من المعتقلين تتطلب منظومة أمنية عالية الكلفة والانضباط في وقت تعاني فيه الدولة أصلاً من فقدان ابسط المقومات من ضعف الثقة والتداخل المسلح. والإشكاليات بوجهيها قانونياً وحقوقياً …يجد العراق المتخم بالمشاكل والمعوقات والتخلف والفساد نفسه بين مطرقة الضغوط الدولية ((كونه بلد محتل وسيبقى كذلك ))لضمان محاكمات عادلة في احضان قضاء مسيس وسندان الرأي العام الداخلي المسير باعلام فاسد متحيز ضد الشعب ومصالحه ما يضع القضاء الذي تحوم حوله الشبهات كما يراه كثير من المعارضين تحت اختبار صعب.

إصرار الولايات المتحدة على هذا النقل لا ينفصل عن حساباتها الخاصة لتخفيف العبء عن قوات (قسد)ومنع تحوّل السجون في شمال شرق سوريا إلى قنابل موقوتة وتحميل الدول مسؤولية “مواطنيها” من عناصر التنظيم. لكن النتيجة العملية هي نقل عبء أمني وسياسي ثقيل إلى دولة خطط لها لأن تكون هشة لم ولن تستكمل بناء توافقها الداخلي المغيب بسبب صراع المصالح بين من وضعهم الاحتلال على رأس السلطة الفاسدة ؟!.

على مستوى السياسة الخارجية لايزال العراق وسيبقى يدفع ثمن موقعه الجغرافي وضعف وغياب قراره السيادي. أي تصعيد إقليمي خصوصاً بين واشنطن وطهران أو طهران وتل أبيب يترجم فوراً على الأرض العراقية. الاقتصاد والطاقة يتأثران مباشرة من إمدادات الغاز إلى الاستثمارات ما ينعكس غضباً شعبياً يهدد الاستقرار. وفي ظل سياسة المحاور !!! تُستدرج القوى السياسية العراقية إلى اصطفافات تمنع بلورة استراتيجية وطنية مستقلة.

أمام هذا الواقع تصبح الوحدة الوطنية الغائبة والمغيبة شرطاً وجودياً لا شعاراً. فتوحيد المواقف لا يعني إنكار التعدد الذي فرضه الاحتلال بوجهه القبيح بل إدارة الخلاف ضمن إطار دولة فاشلة ؟! عبر مراجعة دستورية جادة (لدستور صمم لأن يكون حقل الغام )والانتقال التدريجي من تمثيل الهويات إلى تمثيل البرامج وإطلاق حوار وطني شامل لا يقصي أحداً ويقدّم مصلحة الدولة على مصلحة الحزب.

إن المخرج السياسي الأمثل للعراق لا تصنعه حلول جزئية كما جرت العادة فيه منذ احتلاله وبشكل متعمد بل المطلوب حزمة إجراءات متزامنة مثل تشريع قانون انتخابات عادل ومؤسسات رقابية فاعلة … وحسم ملف الرئاسات وحصر السلاح بيد الدولة. دون ذلك وغيرها سيبقى العراق دولة فاشلة معلّقة بين الارض والسماء تُدار أزماتها بالترحيل لا بالحل (الادارة بالأزمات) وهذا ما خططه الاحتلال لكي تبقى هذه الدولة فاشلة تستهلك نفسها و طاقتها في صراعات لا تخدم شعبها ولا سيادة البلد ….إلى ان يصبح العراق اثر بعد عين ؟!

زر الذهاب إلى الأعلى