موفق الخطاب: تحت المجهر.. العراق بين مطرقة التفكيك و سندانة التركيع

لا يمكن فصل عودة السيد نوري المالكي إلى واجهة التداول السياسي عن التحولات العميقة التي تضرب المنطقة من أطرافها.
العراق اليوم لا يتحرك بإيقاعه الداخلي فقط، بل يتأثر بانهيار خرائط وارتسام أخرى، وبإرهاق لاعبين كانوا حتى وقت قريب يحركون المشهد من الخلف.
إنها لحظة تتقدّم فيها الأسماء المستهلكة حين تعجز المنظومات والأيديولوجيات عن إنتاج بدائل متزنة ورصينة.
المالكي والبيت الشيعي:
عودة السيد المالكي للترشيح لرئاسة الوزراء للمرة الثالثة لا تأتي من موقع قوة، بل من فراغ القيادة داخل البيت الشيعي وتراجع السيد محمد شياع السوداني عن استحقاقه.
فالترشيح يتم خلافا لتوجيهات المرجعية، وسط رفض صريح من السيد مقتدى الصدر و اتباعه وتحفّظ قوى شيعية وأحزاب وشرائح اجتماعية واسعة ترى في التجربة السابقة عبئا لا يمكن تكراره.
لكن هذا الرفض لم يُترجم بعد إلى بديل توافقي قادر على الإمساك بالملف الأمني والاقتصادي والإقليمي في آن واحد.
التوازن الذي حكم البيت الشيعي لسنوات سلاح مقابل سلطة، وتعطيل مقابل حصص لم يعد مستداما.
التغيرات الإقليمية، وتراجع القدرة الإيرانية على الضبط الكامل، والضغط الأمريكي المتزايد، جعلت هذه الصيغة مكلفة أكثر من كونها ضامنة للاستقرار.
في هذا السياق، يظهر دور المالكي بوصفه رجل مرحلة صدامية، لا رجل تسوية.
ليس لأنه الخيار الأفضل، بل لأنه الأكثر استعدادًا لتحمّل الكلفة الباهظة مقابل ملفات يسعى لدفنها وتغييب شخوصها.
الدور الأمريكي المباشر:
يتزامن ذلك مع بدء مهمة مارك سافايا، مبعوث الرئيس الأمريكي في العراق، ما يشير إلى انتقال واشنطن من إدارة المشهد عن بُعد إلى الضغط المباشر عبر طاقم من كل الاختصاصات.
الملفات الرئيسة التي ستوضع على طاولة رئيس الوزراء المقبل تشمل:
*ورقة الدولار والانضباط المالي ومكافحة الفساد.
*ملف الفصائل والسلاح خارج الدولة.
*ترحيل أو احتواء معتقلي داعش بالآلاف.
*فك الارتباط الاقتصادي والأمني مع إيران ومحورها.
إذن الإدارة الأميركية تبحث عن منفّذ قادر على التنفيذ، لا عقد شراكة طويلة، وليست رفاهية الشعوب ضمن أولوياتها ولا أخلاقياتها.
الموقف الإيراني:
طهران تبدو أقل اندفاعا مما يُشاع. فهي تدرك أن المالكي، إن عاد لن يكون رجلها ولا منفذا خالصا لأوامرها، بل رجل سلطته، فهو يسعى بالدرجة الأولى لتغطية ملفات الماضي وطمسها ودفن جرائم سقوط ثلث العراق بيد داعش وجريمة سبايكر وغيرها من ملفات الفساد.
لهذا تتعامل مع السيناريو بحذر في مراقبة ومحاولة كسب الوقت بدل المواجهة المباشرة.
الوضع الإقليمي وملفات الضغط:
يشكل انحسار دور “قسد” الكردية و تراجع الدعم الأمريكي لهم بل رفع يدها عنهم ، وتصاعد الحضور السوري والدعم الإقليمي لدمشق وقيادتها كلها مؤشرات على نهاية مرحلة الكيانات الوظيفية وبداية إعادة الاعتبار لمفهوم الدولة.
في هذا الإطار، يتحول ملف داعش إلى أداة ضغط جديدة على الحكومة المقبلة، فترحيل المعتقلين من سوريا إلى العراق لا يُقصد به الحل، بل نقل الأعباء لجعل بغداد خط الدفاع الأخير.فضلا عن الضغط على اي حكومة مقبلة في العراق بفتح صفحة جديدة مع الحكومة السورية و التعامل مع السيد احمد الشرع خصوصا ان هنالك ملفات خطيرة بحوزتهم تدين بها مناوئيهم.
الموقف السني:
القوى السنية المفككة تنظر إلى عودة نوري المالكي بريبة، لكنها بلا مشروع مواجهة، وتميل إلى انتظار تقليص نفوذ الفصائل داخل البيت الشيعي دون كلفة سنية مباشرة.
موقفهم براغماتي يتمثل بدعم أي مسار يخفف الضغط الأمني والسياسي، دون تحالفات عالية المخاطر.
الموقف الكردي:
القيادات الكردية تتعامل مع السيناريو بموازنة المصالح و تتناسى تجاوزات وتطاول المالكي عليها وهي تبحث عن :
*تثبيت حصة الإقليم من الميزانية.
*ضمان الاستقرار المالي ورواتب موظفي الإقليم.
*تجنّب المواجهات العسكرية في المناطق المتنازع عليها.
اذن بالنسبة للكرد، الاسم عندهم أقل أهمية من قابلية التنبؤ بالسلوك وكسب المصالح.
السيناريو الأكثر ترجيحا:
المرحلة المقبلة ليست عودة مستقرة ولا إسقاطا سريعا بل:
دفع المالكي إلى الواجهة وتحميله ملفات حساسة تتمثل بحل الفصائل ودمج الحشد، الابتعاد عن إيران، والتعامل مع متطلبات واشنطن.
ومن جهتها ستراقب أداءه تحت ضغط داخلي وخارجي فإن نجح، يُستثمر مرحليا، وإن فشل، يُستبدل بعد استهلاكه سياسيا وأمنيا.
و يمكن تسمية هذه المرحلة بـ مرحلة التفكيك وإعادة التشكيل فإما المواجهة او التركيع.
الخاتمة:
السؤال الحقيقي ليس في عودة السيد نوري المالكي الى الواجهة فحسب، بل هل يستطيع العراق تحمّل كلفة هذه العودة؟
وهل سيكون جسرا نحو دولة قوية، أم حلقة جديدة في سلسلة الاستنزاف؟
في عراق اليوم والعديد من الانظمة والدول الضعيفة، لا يُستدعى القادة ليحكموا طويلا، بل ليؤدوا دورا محددا ثم يتركوا المسرح وقد تغيّر كل شيء من حولهم.
عليه فالعراق على وجه الخصوص على حافة الانفجار ، و أي خطأ أو تصرف غير مسؤول سيُسارع في انتشار الفوضى والانهيار..