مقالات رئيس التحريرموضوعات رئيسية

د. علي الجابري: أربيل والمالكي.. حين تمحو المصالح ذاكرة الإتهامات!

عاد إسم نوري المالكي إلى الواجهة من جديد، بعد ترشيحه من قبل الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء، في مشهد لا يعيد طرح الأسئلة السياسية فقط ، بل يفتح جراحاً عراقية لم تندمل أصلاً؟!

فالمالكي ليس شخصية عابرة في ذاكرة العراقيين، بل هو الرجل الذي يوصف بأنه أشد السياسيين تطرفاً وطائفية، واكثرهم تسبباً في الاختلاف المذهبي، وأقدرهم على فبركة الاتهامات بحق المنافسين له سياسياً، فضلاً عن كونه الأكثر فساداً في تاريخ رؤوساء الوزارات العراقية، والأشد تفريطاً بالارض العراقية خلال فترة حكمه التي شهت سيطرة تنظيم داعش الارهابي على ثلث الاراضي العراقية! 

أما في إطار علاقته بإقليم كردستان، فقد أطلق المالكي أخطر الاتهامات بحق الإقليم وأربيل تحديداً.. فقد قالها صراحة وبشكل موثق في وقت سابق : إن داعش تأسست في أربيل، وأن الاقليم أصبح مقراً للبعث وداعش والموساد في آن واحد.

هذه ليست تفاصيل هامشية في إطار سجال سياسي، بل اتهامات ثقيلة صدرت عن رئيس وزراء سابق ورئيس كتلة برلمانية كبيرة! ومع ذلك، تأتي المفارقة الصادمة في الحديث عن مباركة كردية لعودته، صادرة من أكبر وأهم شخصية في الاقليم متمثلة في مسعود البارزاني؟! وكأن السياسة العراقية فقدت ذاكرتها بالكامل! أو كأن المصالح قادرة على إبتلاع أكثر التصريحات تطرفاً وخطورة.

ولكي نشخص هذا التحول الكردي في المواقف، وتعمد محو الذاكرة، لابد أن نعود للتجارب السابقة التي علمتنا أن الكرد لا يعنيهم اسم رئيس الوزراء بقدر ما تعنيهم حصتهم من الميزانية وحصتهم في المقاعد الوزارية! ومن يُقدِّم لهم تنازلات أكثر، يصبح حليفاً مهما كان تاريخه ومهما كان خطابه بالأمس!

أما القضايا الوطنية الكبرى، فقد علمتنا السنوات الماضية أنها غالباً ما تؤجل أمام منطق المكاسب، وأن أربيل تحرص دائماً على الحفاظ على علاقة ثابتة مع القوى الشيعية بوصفها مركز القرار في في بغداد، لان ذلك ما تقتضيه مصلحة الأقليم أولاً وأخيراً.

في المقابل يبقى العرب السنة خارج دائرة التأثير الحقيقي، محاصرين بين ضغط الإطار الشيعي من جهة، وصفقات المصالح الكردية من جهة اخرى، فيما يجيد المالكي وحده استخدام أدوات الاخضاع السياسي لخصومه: الاحتواء لمن يطيع، والتهم لمن يعارض!

لكن القضية الأخطر لا تتعلق بتحولات أربيل وحدها، بل بكلفة عودة المالكي نفسها.. في زمنه سقطت ثلاث محافظات بيد تنظيم داعش الارهابي، واحتل الارهاب ثلث الأراضي العراقية ، وكاد البلد أن يتحول إلى دولة منهارة لولا أنهار الدماء التي دفعها العراقيون لتحرير أرضهم واستعادة وطنهم!

ولهذا فإن السؤال الحقيقي اليوم ليس من يدعم المالكي، ولا من يعارضه، بل : هل يريد العراق أن يدفع ثمن التجربة المأساوية ثلاث مرات! وكم من الدماء سندفع هذه المرة؟ وكم من ابناء الوطن سيلتحق بركب المهجرين قسراً من وطنهم؟!

إن إعادة إنتاج المالكي ليست خياراً سياسياً عادياً.. بل مغامرة بمصير وطن! وهذا ما يجب ان يدركه الزعماء الكرد والسنة معاً، لان هذا الرجل سينقلب عليهم وعلى كل من يقف بوجهه، طالما ان شعاره كان وسيبقى: “أنا ومن بعدي الطوفان”؟!

رئيس تحرير صحيفة يورو تايمز السويدية

زر الذهاب إلى الأعلى