آراء

ثائر سليحات: الضرائب في الاردن رؤية تبصيرية

تُعد الضرائب في الأردن العمود الفقري للموازنة العامة، حيث تساهم بأكثر من 75% من الإيرادات المحلية. ومع ذلك، يبرز موضوع “نوعي” ومحوري يتجاوز مجرد الأرقام، وهو الهيكل الضريبي المشوّه المعتمد بشكل مفرط على الضرائب غير المباشرة (ضريبة المبيعات) مقابل الضرائب المباشرة (ضريبة الدخل)، وما يترتب على ذلك من آثار اجتماعية واقتصادية.
اختلال التوازن: العبء على المستهلك لا على الربح
في النظم الضريبية التقليدية المستقرة، تُشكل ضريبة الدخل (التي تعتمد على مبدأ التصاعدية: أي “من يربح أكثر يدفع أكثر”) الحصة الأكبر. لكن في الأردن، نجد أن ضريبة المبيعات هي المهيمنة. هذه الضريبة تُسمى “ضريبة عمياء”؛ لأنها لا تفرق بين غني وفقير عند شراء السلعة نفسها، مما يضع العبء الأكبر على الطبقتين الوسطى والفقيرة اللتين تنفقان معظم دخلهما على الاستهلاك.
التهرب الضريبي مقابل التجنب الضريبي
من القضايا النوعية في الأردن هي الفجوة الضريبية الناتجة عن التهرب الضريبي، خاصة في المهن الحرة (الأطباء، المحامين، المهندسين) وبعض القطاعات التجارية. وبينما تحاول الحكومة عبر منظومة “الفواتير الإلكترونية” سد هذه الثغرة، تظل المعضلة في “الاقتصاد الخفي” الذي لا يدخل ضمن الشبكة الضريبية، مما يضطر الحكومة لرفع الضرائب على الملتزمين أصلاً لتعويض النقص، وهو ما يُعرف بـ “معاقبة الملتزم”.
ضريبة المبيعات والقدرة الشرائية
تصل ضريبة المبيعات العامة في الأردن إلى 16%، وهي نسبة مرتفعة جداً مقارنة بدول ذات دخل مشابه. هذا الارتفاع يؤدي إلى:

  • تراجع القوة الشرائية: مما يسبب حالة من الركود في الأسواق.
  • ارتفاع تكاليف الإنتاج: مما يضعف تنافسية الصناعة الوطنية أمام البضائع المستوردة.
  • العدالة الاجتماعية: حيث يشعر المواطن أن النظام الضريبي لا يحقق إعادة توزيع عادلة للثروة.
    الحوافز الضريبية والنمو الاقتصادي
    هناك جدل دائم حول الحوافز والإعفاءات الضريبية الممنوحة لقطاعات معينة (مثل المناطق التنموية). والسؤال النوعي هنا: هل حققت هذه الإعفاءات أهدافها في خلق فرص عمل؟ تشير بعض التقارير إلى أن “تآكل الوعاء الضريبي” بسبب الإعفاءات غير المدروسة قد كبّد الخزينة مبالغ طائلة دون أثر ملموس على نسب البطالة، مما يتطلب مراجعة شاملة لمبدأ “الإعفاء مقابل التشغيل”.
    العقد الاجتماعي والخدمات
    الضريبة في جوهرها هي عقد: يدفع المواطن مالاً مقابل الحصول على خدمات (تعليم، صحة، بنية تحتية). التحدي الأكبر في الأردن ليس في قيمة الضريبة فحسب، بل في “الفائدة الملموسة”. فعندما يضطر المواطن لدفع ضريبة مرتفعة ثم يضطر للجوء إلى التعليم الخاص أو الطبابة الخاصة لضعف جودة الخدمات العامة، ينشأ شعور بـ “الازدواجية الضريبية غير المباشرة”.
    نحو إصلاح ضريبي بنيوي
    لتحقيق استقرار مالي واجتماعي، يحتاج الأردن إلى:
  • تخفيض تدريجي لضريبة المبيعات مقابل تشديد الرقابة على ضريبة الدخل لضمان العدالة.
  • توسيع القاعدة الضريبية أفقياً (ضم المتهربين) لا عمودياً (زيادة النسب على الملتزمين).
  • رقمنة كاملة للعمليات الضريبية لتقليل التدخل البشري والفساد الصغير.
    إن إصلاح النظام الضريبي في الأردن ليس مجرد مسألة حسابية لسد عجز الموازنة، بل هو ضرورة سياسية واجتماعية لتعزيز الثقة بين الدولة والمواطن وتحفيز الاستثمار الحقيقي.
    هل تود أن أقوم بإعداد جدول مقارنة بين نسب ضريبة الدخل في الأردن ودول الجوار، أم ننتقل لمناقشة قانون الضريبة الأخير وأبرز التعديلات التي طرأت عليه؟

زر الذهاب إلى الأعلى