روبيرت ملحم: فوضوية ترمب تزعزع الاستقرار العالمي.. سياسة الصفقات أم سياسة الفوضى؟

منذ ظهوره على المسرح السياسي، شكّل دونالد ترمب ظاهرة غير مسبوقة في السياسة الأميركية والدولية، ليس فقط بسبب مواقفه الصادمة، بل بسبب نمط حكم اتسم بالفوضوية وغياب الاتساق، ما انعكس بشكل مباشر على استقرار النظام الدولي الذي قادته الولايات المتحدة لعقود. اتسمت سياسات ترمب الخارجية بمنطق الصفقات لا بمنطق التحالفات. فقد أعاد تعريف العلاقات الدولية بوصفها معادلات ربح وخسارة آنية، متجاهلاً الأطر المؤسسية والقيم التي قامت عليها الشراكات التقليدية لواشنطن. هذا النهج أضعف الثقة الأميركية لدى الحلفاء، من أوروبا إلى آسيا، وفتح الباب أمام قوى دولية منافسة لملء الفراغ. انسحاب ترمب من اتفاقيات دولية محورية، مثل اتفاق باريس للمناخ والاتفاق النووي مع إيران، بعث برسائل سلبية إلى المجتمع الدولي مفادها أن الالتزامات الأميركية قابلة للنقض بتغير الإدارات. هذا السلوك زعزع مبدأ الاستمرارية في السياسة الدولية، وهو ركن أساسي في حفظ الاستقرار العالمي. كما ساهم الخطاب التصعيدي وغير المنضبط في زيادة منسوب التوترات الدولية. فقد استخدم ترمب لغة التهديد والعقوبات القصوى كأدوات رئيسية للضغط، سواء تجاه الصين أو إيران أو حتى حلفاء تقليديين. وبدلاً من احتواء الأزمات، أدت هذه السياسات في كثير من الأحيان إلى تعقيدها وتوسيع نطاقها. على الصعيد الاقتصادي، أدت الحروب التجارية التي أطلقها ترمب إلى اضطراب سلاسل الإمداد العالمية، ورفعت منسوب عدم اليقين في الأسواق الدولية. فبدلاً من تعزيز الاستقرار الاقتصادي، ساهمت الرسوم الجمركية المتبادلة في تعميق الانقسامات الاقتصادية بين الدول، وأضعفت النظام التجاري العالمي. إن فوضوية ترمب لم تكن مجرد أسلوب شخصي، بل تحولت إلى عامل مؤثر في بنية النظام الدولي. فقد كشفت هشاشة التوازنات العالمية عندما تغيب القيادة العقلانية، وأظهرت أن النزعة الشعبوية في دولة عظمى قادرة على إحداث ارتدادات تتجاوز حدودها الجغرافية. في المحصلة، لم تقتصر تداعيات سياسات ترمب على الداخل الأميركي، بل امتدت لتقوّض أسس الاستقرار العالمي. وتجربة ترمب تطرح سؤالاً جوهرياً أمام المجتمع الدولي: كيف يمكن للنظام العالمي أن يصمد في وجه سياسات ارتجالية تقودها حسابات داخلية ضيقة على حساب المصالح الجماعية والاستقرار الدولي؟
كاتب وصحفي عراقي مقيم في الولايات المتحدة الأمريكية
