آراء

أحمد إبراهيم: السلام السوري.. بندقية الداخل ومزاج العواصم

ليس هذا العنوان زينةً لغوية، ولا حيلةً لشدّ القارئ إلى الورق قبل أن يقرأ الفكرة. بل هو محاولةٌ لتسمية الشيء باسمه كما هو، لا كما نتمنى أن يكون. لأن “السلام” في سوريا—إذا قُدِّم لنا بوصفه غايةً سياسية—سرعان ما ينكشف، عند أول امتحان، أنه في كثيرٍ من الأحيان إدارةُ زمنٍ لا صناعةُ مصير: ترتيبٌ يمنع الانفجار الآن، لا حلٌّ يقطع دابر الانفجار غدًا.

ومن هنا يبدأ السؤال الذي يسبق كل سؤال: من يملك حقّ تعريف السلام أصلًا؟ أهو الداخل الذي احترق في النار، أم الخارج الذي يملك مفاتيح الإطفاء والوقود معًا؟ وإذا اختلف الداخل والخارج على معنى السلام، فبأي معنى سنوقّع، وعلى أي ورقةٍ سنضع أسماءنا؟

قبل التمنيات، ينبغي تعريف المشكلة كما هي. ما الحد الأدنى الذي يجعل شيئًا اسمه “سلامًا” لا “وقف نار”؟ أهو الصمت في الجبهات؟ أم عودة السلطة الواحدة على الأرض؟ أم مرجعيةٌ واحدة للسلاح والأمن والقانون؟ فإذا لم توجد—وهذه هي المعضلة—دولةٌ تعرف نفسها مرجعية نهائية للسلاح، فماذا يعني الحديث عن تسوية؟ وعلى ماذا سنوقّع؟ وعلى أي “دولة” سنُسلِّم؟

إننا نخطئ حين نتصور أن السلام يُكتَب كما تُكتب الخطابات. السلام، في بلدٍ كُسرت فيه الدولة، ليس نصًا يُقرأ، بل نظامُ ثقةٍ يُبنى. فإن كان أساس الثقة مكسورًا، فما فائدة البناء في الهواء؟

ثم نبلغ عقدة العقد: بندقية الداخل. وهنا ينبغي أن نُحسن النظر، لأن السلاح في الحرب الأهلية ليس مجرد أداةٍ تُسلَّم وتُستردّ، بل هو معنى: حمايةٌ عند قوم، وهويةٌ عند قوم، ونفوذٌ واقتصادٌ عند قوم، وربما كان كلّ ذلك عند قومٍ واحد. والناس لا يسلّمون معنى بقائهم بسهولة، ولا يودِعون “أمنهم الخاص” في صندوقِ وعدٍ مُؤجَّل.

فمن يطلب من الفواعل المسلحة أن تسلّم سلاحها—أو “تدمجه”—فليسأل نفسه أولًا: تسلّمه لمن؟ لدولةٍ قائمةٍ بالفعل؟ أم لفكرة دولة؟ وهل تُطمئن الفكرةُ من عاش سنين طويلة لا يثق إلا في “القبضة”؟ ومتى تصبح كلمة “دمج” ترجمةً مهذبة لمعركة نفوذٍ مؤجَّلة؟ إن الذي يُخفي المعركة تحت المصطلح لا يلغيها؛ إنما يؤجلها إلى ساعةٍ أشدّ قسوة.

ويجيء بعد ذلك “اختبار الدمج ونزع السلاح”، وهو في الحقيقة امتحان وجود. لأن الدمج ليس رواتب ورتبًا وأزياءً وقياداتٍ تُرتّب على الورق؛ إنما هو سؤالٌ واحدٌ يلتهم كل الأسئلة: من يملك القرار عند الخطر؟ عند أول طلقة، عند أول اغتيال، عند أول فتنةٍ في حيٍّ صغير—من يصدر الأمر، ومن ينفذ، ومن يحاسب؟ فإذا بقيت سلسلة القيادة مزدوجةً، فهل ولد جيش؟ أم ولد قناعٌ يلبس وجه الدولة ويحتفظ بقلب الميليشيا؟

والأخطر من ذلك أن الدمج قد يتحول إلى إعادة تدويرٍ للسلاح داخل الدولة، لا نزعٍ للسلاح لصالح الدولة. فتخرج الدولة من الامتحان مكسورة الهيبة: لها اسمٌ واحد، لكن لها قلوبٌ متعددة، ولكل قلبٍ بندقيةٌ تُطيعه ساعةَ الحاجة.

زر الذهاب إلى الأعلى