آراء

د. عبدالرزاق محمد الدليمي: العراق بين مطرقة الفساد وسندان الجباية.. حين تصبح سرقات النظام وفساده ديوناً في أعناق الفقراء

يمر العراق المحتل بمرحلة تاريخية هي الأقسى منذ اكثر من مائة عام حيث لم يعد الفساد مجرد ظاهرة هامشية أو حالات معزولة !! بل تحول إلى “نظام تشغيل” متكامل يدير الدولة ومواردها. إن الإيذاء الذي يلحقه هذا النظام الفاسد وقراراته الجائرة بالشعب العراقي تجاوز حدود نهب الثروات ليصل إلى مرحلة الإبادة الاقتصادية الممنهجة التي تستهدف الطبقات المسحوقة لتغطية عجز الميزانيات التي أفرغتها صفقات الفساد والمحاصصة.
نهب الثروات: من الوفرة إلى الإفلاس المفتعل
رغم امتلاك العراق لثالث أكبر احتياطي نفطي في العالم وان مادخلت من ايرادات النفط طيلة الفترة التي اعقبت احتلاله تجاوزت ٢٠٠٠مليار دولار أمريكي ؟؟!!إلا أن المواطن العراقي لا يلمس من هذه الثروة سوى بأرقام الموازنات الانفجارية التي تختفي في دهاليز العقود الوهمية والتهريب الممنهج. إن النظام الذي أسسه الاحتلال بعد عام 2003 أرسى قواعد اقتصاد الغنيمة حيث يتم تقاسم موارد البلاد كإقطاعيات بين أحزاب وجهات لاعلاقة لها بالحس الوطني. هذا النهب المنظم خلف فجوة هائلة في الخزينة العامة مما جعل الدولة عاجزة عن تقديم أبسط الخدمات الأساسية من كهرباء وصحة وتعليم وووو ؟!رغم إنفاق مئات المليارات من الدولارات.
سياسة تعويض السرقات من قوت المستضعفين
الأمر الأكثر إيلاماً وظلماً في سلوك هذا النظام هو آلية المعالجة …فبدلاً من استرداد الأموال المنهوبة أو تفعيل أدوات الرقابة ومحاسبة الفاسدين و الحيتان الكبيرة يلجأ النظام الفاسد إلى حلول ترقيعية تقع أعباؤها بالكامل على كاهل المواطن البسيط. نرى ذلك بوضوح في قرارات رفع الدعم وزيادة الضرائب غير المباشرة وتخفيض رواتب الموظفين والتلاعب بأسعار الصرف للدولار وفرض رسوم جباية قاسية في ظل انعدام الخدمات. إن هذه القرارات العقيمة الغبية ليست إلا محاولة بائسة لملء جزء من الخزينة التي أفرغها اللصوص عبر استلال لقمة العيش من أفواه الفقراء والأرامل وذوي الدخل المحدود.
الاحتلال والتبعية
غياب السيادة الاقتصادية لا يمكن فصل هذا الواقع المرير عن حقيقة الارتهان للخارج من النظام الفاسد العميل !!! فالعراق اليوم يعيش تحت وطأة سياسات اقتصادية تملى عليه وسط غياب تام للسيادة الاقتصادية. إن النظام الفاسد يجد في حالة الضعف والاحتلال المقنع بيئة خصبة للاستمرار؛ فالفوضى تسمح بتهريب العملة الصعبة وتبييض الأموال بينما تظل القرارات السيادية رهينة لمصالح قوى إقليمية ودولية وأحزاب فاسدة ومليشيات ولائية لا يهمها سوى ضمان تدفق النفط وسرقة حصتها من عائداته واستمرار التبعية.
الظلم الذي يجب ان لا يدوم
إن تحويل المواطن العراقي إلى “صراف آلي” لسداد فواتير سرقات السلطة هو قمة الطغيان. إن الطبقة السياسية التي تنعم بالرفاهية خلف الجدران الكونكريتية بينما يرزح أكثر الشعب تحت خط الفقر تؤسس لانفجار اجتماعي لن تقوى عليه كل آلات القمع. إن العدالة الاقتصادية ليست مطلباً كمالياً بل هي حق مسلوب في بلد ينام على بحار من الذهب ويستيقظ أهله على أخبار الديون والضرائب ومحاربتهم في مصادر عيشهم رغم محدوديتها لذا فإن تصحيح المسار يبدأ بكسر حلقات الفساد واستعادة القرار الوطني من قبل الشعب ومحاكمة من جعلوا من العراق وطناً مستباحا منهوباً وشعباً مغترباً في أرضه.

زر الذهاب إلى الأعلى