د. عبد الرزاق محمد الدليمي: بين “هندسة الخراب” وضياع الهوية.. هل العراق وطنٌ أم ؟

في منطق الإدارة وصدمة الواقع
في فقه الإدارة السياسية لا يمكن فصل النتائج عن جودة المداخلات؛ فالدول لا تُبنى بالنوايا بل بالخوارزميات المنتجة. ومن هذا المنطلق حين سُئلت عن تقييمي لأداء حكومة السيد محمد شياع السوداني المنتهي ولايتها؟! لم أجد بداً من الاحتكام إلى “المنطق الرياضي” الذي يحكم بديهيات علوم الإدارة: (مقدمات موضوعية + آليات تنفيذية رصينة + بيئة سياسية سليمة = نجاح حتمي).
وبالنظر بموضوعية وطنية إلى المشهد العراقي الراهن نجد أن هذه الأركان تعاني من خلل بنيوي مزمن !! فالمقدمات مشوهة بإرث المحاصصة والآليات مكبلة بالفساد المؤسسي والبيئة ملغومة بتضارب المصالح. لذا …. فإن الإشكالية لا تكمن فقط في “شخص” رئيس الوزراء بقدر ما تكمن في “الماكينة” التي أنتجته والتي قد تجعل منه مجرد كبش فداء جديد لجماعات “الإطار” المتفقة على الفساد والتآمر على مقدرات البلاد منذ نيسان 2003.
انهيار الأخلاق.. فلسفة السقوط
يستحضرني هنا حوارٌ تاريخي لخص المأساة ببراعة؛ حين سألت إنديرا غاندي والدها الزعيم نهرو: “ماذا يحدث لو سيطر الفساد على مجتمع؟”فأجابها: “ينهار الاقتصاد”. وحين ألحّت في السؤال عما يتبع ذلك قال: “تنهار الأخلاق”. وختم حكمته بسؤال وجودي صادم: “وما الذي يبقيكِ في بلد انهارت أخلاقه؟”.
إن هذا التسلسل هو ما نعيشه اليوم فالفساد في العراق لم يكن عفوياً بل اصبح عملا منظما وتخطيطاً مدروساً منذ نيسان ٢٠٠٣ بدأ بتطبيق أجندات الاحتلال التي كُلّف بها “منحرفون” سيقوا كالنعاج إلى مؤتمرات ليؤسسوا لديمقراطية هجينة تعزل “النخبة الفاسدة” في ترف خيالي وتغرقها في خزائن المال العام لضمان ولائها وخراب ذمتها.
تدمير الذاكرة وتجريف الوطنية
لقد تقرر منذ ما قبل الاحتلال أن تكون رواتب قادة الحكم وأعضاء البرلمان مرتفعة جداً لشراء الضمائر خاصة وأن غالبيتهم ممن يفتقرون لتاريخ وطني مشرف. كذلك تم تشكيل “نخبة إعلامية” من نكراتٍ شرسة روجت للفوضى تحت مسمى “التعددية” سيئة الصيت والمحتوى ؟! ليزجوا بالعراق في مشهد فوضوي هو مزيج من العنف والممارسات الحزبية المتخلفة التي نُقلت من أزقة التآمر إلى دهاليز الحكومة.
بعد ٢٣ عاماً فشلت ما تسمى بـ “العملية السياسية” التي ولدت معوقة واستبدلت مفهوم المواطنة الحقيقية بثلاثية (شيعة
وسنة كرد)خفي مشهد يثبت يومياً أن هؤلاء المسؤولين لا يؤمنون بوجود الله ولا بيوم الحساب ولا علاقة لهم بالعراق بالنظر لحجم جرائمهم بحق الشعب من قتل وتغييب وسرقات.
لغة الأرقام المرعبة
في شهادة للتاريخ قدمها الخبير النفطي العالمي المغفور له الأستاذ عصام الجلبي كشف عن كوارث مروعة !!! فإيراد العراق المالي منذ اكتشاف النفط وحتى عام 2003 بلغ تقريباً 230 مليار دولار بينما دخل العراق منذ الاحتلال وحتى الآن أكثر من تريولونان أي اكثر من ألفي مليار من الدولارات الأمريكية والسؤال الملح أين ذهبت هذه الثروة الأسطورية ؟! والشعب يعاني الويلات والفقر والمعاناة في كل شيئ ويأتي الجواب بشكل واضح: ان هذه ذهبت لجيوب السياسيين الفاسدين والتشكيلات السياسية “العميلة” والولاءات الخارجية بينما اصبح الشعب يبحث عن فتات الخبز.
هل نحن شعب العراق فعلا؟!
إن كل شيء كان معداً سلفاً: من نوع النظام الحاكم إلى تشكيل الطبقة الفاسدة وتصفية وقتل الكفاءات والعناصر الوطنية أو التشهير بمن يقف ضد الفساد ونظامه ….لقد أرادوا تغييب وعي الإنسان العراقي وإغراقه في البحث عن الخدمات والنجاة من المفخخات حتى صار المواطن يتساءل بمرارة: هل هذا شعب العراق فعلا ؟ أم هو قطيع؟ وهل يعيش في وطن أم في “مبغى سياسي”؟
إن الصدمة التي تعتري العراقيين اليوم هي صدمة الحقيقة المرة فحين تنهار الأخلاق وتُباع الأوطان في مزادات النخاسة السياسية لا يبقى للمواطن إلا استعادة وعيه ليدرك أن المقدمات الخاطئة لن تنتج إلا الفشل الأكيد.
وهذا مانعيشه منذ احتلال بلدنا ؟!
