طب وتكنولوجيا

كيف تحولت “علي بابا” إلى “صانع ملوك” في سباق الذكاء الاصطناعي؟

في وقت ما يزال فيه الجدل الغربي حول الذكاء الاصطناعي أسير الشكوك والتنظيم والمخاوف الأخلاقية، تتقدم الصين بخطى متسارعة نحو تبني شامل للتقنيات الذكية، ليس بوصفها تهديداً، بل باعتبارها أداة إنتاج ونمو. 

وفي قلب هذا التحول تقف شركة “علي بابا”، التي لم تعد مجرد عملاق تجارة إلكترونية، بل لاعباً مركزياً يعيد تشكيل منظومة الذكاء الاصطناعي على مستوى النماذج والبنية التحتية والتطبيقات اليومية، وفق تحليل موسّع للخبير التقني نيلش جاساني، مؤسس والرئيس التنفيذي لشركة GenInnov Pte Ltd في سنغافورة، وخبير في استراتيجيات التكنولوجيا والاستثمار في الذكاء الاصطناعي نشرته منصة GenInnov، ونقله موقع “آسيا تايمز“.

فجوة الثقة: الصين مقابل الغرب

قال الكاتب إن الفارق النفسي بين الصين والغرب في التعامل مع الذكاء الاصطناعي بات عميقاً. ففي الغرب، يهيمن خطاب الشك والتحذير، تقوده نخب مهنية تخشى على مجالاتها من الاختراق، بينما يتركز النقاش الصيني على سؤال عملي مباشر: أي تطبيق أستخدم؟ وكيف أدمجه في عملي اليومي؟.

وأضاف أن هذه الفجوة ليست ثقافية فحسب، بل استثمارية بامتياز، لأنها تحدد سرعة تحوّل الابتكار إلى عادة، والعادة إلى تدفقات مالية. وأوضح أن أقل مستويات الاحتكاك في التبني غالباً ما تصنع أعظم الثروات، لا أذكى السجالات.

أرقام تعكس المسار

وتابع الكاتب أن 83% من الصينيين يرون الذكاء الاصطناعي مفيداً أكثر من كونه ضاراً، وفق مؤشر الذكاء الاصطناعي الصادر عن معهد ستانفورد لعام 2025، مقابل 39% فقط في الولايات المتحدة. وأشار إلى أن هذه النسب المرتفعة تتكرر في دول آسيوية ناشئة، ما يعكس علاقة وثيقة بين البنية الاقتصادية الشابة والتفاؤل التكنولوجي.

وأوضح أن عدد مستخدمي الذكاء الاصطناعي التوليدي في الصين بلغ نحو 515 مليون مستخدم بحلول منتصف 2025، وهو رقم يشير إلى انتقال الصين من مرحلة التجريب إلى مرحلة التبني الواسع.

الصين وعشق السحاب

وأشار الكاتب إلى أن الصين تاريخياً تأخرت في تبني الحوسبة السحابية، إذ فضّلت الشركات امتلاك الخوادم على الاشتراك بالخدمات، ما جعل سوق الحوسبة السحابية الصيني أصغر بكثير من نظيره الأمريكي، غير أن الذكاء الاصطناعي، بخلاف تقنيات سابقة، لا يمكن تشغيله بكفاءة من دون بنية سحابية متقدمة.

وأضاف أن خطط مجلس الدولة الصيني، وعلى رأسها مبادرة “الذكاء الاصطناعي بلس”، تفرض أهدافاً إلزامية لانتشار الذكاء الاصطناعي تصل إلى 90% بحلول عام 2030، ما يجعل نمو السوق السحابية مسألة حتمية لا اختيارية.
وأوضح الكاتب أن علي بابا لا تشبه أمازون أو غوغل أو مايكروسوفت، لكنها تجمع أفضل ما في هذه النماذج مجتمعة. فهي تطور نماذج لغوية مفتوحة المصدر، وتملك أكبر حصة في سوق السحابة الصينية، وتسيطر على منظومة تجارة ومدفوعات مترابطة.

وأضاف أن نماذج  “Qwen” التابعة لعلي بابا حققت أرقاماً غير مسبوقة في التحميل والاستخدام، متجاوزة نماذج شركات غربية كبرى، مع بناء أكثر من 180 ألف نموذج مشتق يعتمد على بنيتها الأساسية.

الانفتاح الاستراتيجي بدل الربح السريع

وتابع الكاتب أن علي بابا، رغم الأرباح المحدودة حالياً من الذكاء الاصطناعي، تراهن على استراتيجية طويلة الأمد تقوم على فتح المصدر وبناء النظام البيئي. فكل مطور يستخدم  Qwen، وكل شركة تدمجه في أعمالها، تصبح عملياً جزءاً من منظومة علي بابا السحابية.

وأوضح أن الشركة تستحوذ حالياً على نحو 36% من سوق السحابة المخصصة للذكاء الاصطناعي في الصين، متقدمة بفارق كبير على أقرب منافسيها.

الابتكار تحت الضغط

وقال الكاتب إن القيود الأمريكية على تصدير الشرائح المتقدمة دفعت علي بابا إلى الابتكار في البرمجيات بدلاً من العتاد. ولفت إلى نظام “Aegaeon” الذي طوّرته الشركة لإدارة وحدات المعالجة الرسومية بكفاءة عالية، ما يسمح بتقليل استهلاك الشرائح بنسبة تصل إلى 82% في بعض الحالات. وأضاف أن هذا الحل لا يلغي أثر العقوبات، لكنه يمنح علي بابا هامش مناورة تنافسياً في بيئة شديدة القيود.

وأشار إلى أن دمج Qwen مع تطبيقات «تاوباو» و«علي باي» و«فليغي» و«أماب» يحوّل الذكاء الاصطناعي من أداة مساعدة إلى وسيط شامل، يدير التسوق والسفر والدفع والملاحة من واجهة واحدة.

وأوضح أن هذا التكامل، إذا كتب له النجاح، قد يجعل منظومة علي بابا نظام تشغيل فعلياً للاقتصاد الرقمي الصيني، لا مجرد مجموعة خدمات متفرقة.

Qwen: أندرويد الذكاء الاصطناعي الصيني

وأضاف الكاتب أن Qwen يتميز بكونه نموذجاً مفتوحاً ومتكاملاً في آن واحد، يغطي النصوص والصورة والصوت والترجمة والبرمجة، ويُستخدم اليوم من قبل مئات الآلاف من المؤسسات حول العالم، بما في ذلك برامج ذكاء اصطناعي وطنية في آسيا.

وأشار إلى أن انتشار النماذج المشتقة من Qwen يعكس قوة المنصة، لا النموذج الفردي، وهو ما يشبه دور «أندرويد» في عالم الهواتف الذكية.

في ختام تحليله، خلص الكاتب إلى أن اجتماع أكبر مزود سحابة في أسرع سوق تبنياً للذكاء الاصطناعي، مع أكثر النماذج المفتوحة استخداماً، ومنظومة استهلاكية ومالية متكاملة، يمثل تركيبة نادرة لا تتكرر خارج الصين. لكنه حذر في المقابل من أن ضخامة الاستثمارات، وضغط المنافسة، واستمرار القيود التكنولوجية، تجعل الرهان محفوفاً بالمخاطر.

وأكد أن السؤال الحاسم لم يعد قدرة “علي بابا” على نشر الذكاء الاصطناعي، بل قدرتها على تحويل هذا الانتشار إلى أرباح مستدامة، دون أن تتحول إلى ممول مفتوح لبقية السوق. فبين أطروحة استثمار جيدة، وأخرى عظيمة، يقف اختبار واحد: من سيدفع الرسوم عند بوابة الذكاء الاصطناعي؟.

زر الذهاب إلى الأعلى