مقالات رئيس التحريرموضوعات رئيسية

د. علي الجابري: إيران بين درس الشاه وشبح السوفيت.. انتفاضة تهز رأس النظام

تمر إيران اليوم بأصعب لحظاتها السياسية والوجودية منذ قيام ثورة الخميني عام 1979 حتى الآن، لكنها ليست بمعزل عن التجارب التاريخية لإنهيار الانظمة السلطوية في العالم خلال القرن العشرين.

ولكي نفهم ما يجري في ايران اليوم، لا يكفي النظر إلى حجم التظاهرات أو عدد المدن المشاركة فيها، بل يجب وضعها في سياق مقارنة مع تجارب تاريخية مفصلية، أبرزها سقوط نظام الشاه في ايران عام 1979، وانهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991، إضافة الى نموذج “الربيع العربي” بعد عام 2011. وهذ التجارب هي خير نموذج لاستقراء الانماط التي تسقط الانظمة أو التي تبقيها ضعيفة لفترات طويلة.

واذا أردنا مقارنة ما يمر به نظام خامنئي ، بكل ما يملكه من قوة وغطرسة وآلة قمع فتاكة، مع نظام الشاه، لابد ان ننتبه الى أن سقوط نظام الشاه – بكل جبروته أيضاً- لم يكن بسبب الاحتجاجات فقط ، بل ساهم تردد القوى والاجهزة الامنية في استخدام القوة الحاسمة ، وانقسام النخبة العسكرية والسياسية في البلاد! ورغم ان الشاه امتلك جيشاً قوياً، لكنه كان يفتقر الى الايديولوجية التعبوية التي تبرر القمع الشامل كما يمتلك نظام خامنئي اليوم. والأهم من ذلك كله، ان نظام الشاه كان يعتمد بدرجة كبيرة على الدعم الخارجي، خصوصاً من الولايات المتحدة الامريكية، وحين بدأت شرعيته تتآكل، وجد نفسه معزولاً داخلياً وخارجياً ، إضافة الى وجود بديل جاهز ومنظم، تمثل بالقيادة الدينية بشخص الخميني المدعوم من الغرب أيضاً، ما سهّل عملية انتقال السلطة نسبياً.

وهذا النموذج لا ينطبق على النظام الايراني اليوم، لانه ليس ملكياً هشاً ، بل نظام عقائدي يمتلك أجهزة أمنية كبيرة ، وعلى رأسها الحرس الثوري، وهذه الاجهزة ترى في وجود نظام خامنئي مسألة وجودية. كما ان البديل السياسي (المعارضة الايرانية في الخارج) وإن كان متوفراً ، إلا انه منقسم ومشتت ، وهو ما يجعل سيناريو السقوط السريع على نموذج “نظام الشاه” أقل ترجيحاً في المدى القريب، ما لم يكن هناك تدخل خارجي كبير وفعّال.

لكن، إذا ما أردنا ان نبحث عن نموذج أكثر إقناعاً وقرباً من الحالة الايرانية، لابد ان نمر بنموذج الاتحاد السوفيتي في سنواته الاخيرة، فهو لم يسقط عبر ثورة شعبية خاطفة، بل عبر تآكل بطئ في الشرعية، بالتزامن مع انهيار اقتصادي متدرج وانقسام داخل النخبة الحاكمة.. ورغم ان الشارع السوفيتي احتج آنذاك، إلا ان العامل الحاسم كان فقدان الحزب الشيوعي قدرته على إدارة الدولة والاقتصاد، وأصبحت اجهزته عبء على النظام بدل ان تكون أداة إنقاذ.

في إيران اليوم ، يمكن رصد ملامح متشابهة، فهناك أزمة إقتصادية خانقة، رافقها تراجع غير مسبوق في قيمة العملة، واتساع الفجوة بين الخطاب الايديولوجي والواقع المعيشي، وتآكل شرعية “الثورة” لدى الأجيال الشابة. لان الاحتجاجات ضد النظام حالياً، لا تعبر فقط عن غضب مما آلت اليه الاوضاع الاقتصادية، بل عن انفصال نفسي وسياسي متزايد بين الدولة والشعب، وهذا النوع من التآكل لا يُسقط الأنظمة فوراً، لكنه يحولها إلى أنظمة تعتمد على القمع بدل القبول، وعلى الخوف بدل الاقناع، وهو مسار يقود الى ضعف مزمن.

أما تجارب الربيع العربي، فهي تقدم لنا درساً ثالثاً لا يقل أهمية.. ففي تونس ومصر ، سقط النظام عندما رفض الجيش لعب دور الحامي النهائي للسلطة، واختار الحفاظ على الدولة. أما في سوريا وليبيا، حين تماسك الجهاز الامني والعسكري بشكل أو بآخر، تحولت انتفاضتي الشعبين إلى صراعات طويلة أو حروب أهلية ما زالت قائمة الى اليوم.

ودروس الربيع العربي مهمة لجهة فهم ما يجري في ايران اليوم، حيث لا توجد مؤشرات مؤكدة على انشقاقات واسعة داخل الاجهزة الامنية او الحرس الثوري (على الأقل لحد الآن) ، وهو ما يجعل ميزان القوة لا يزال يميل الى النظام في المدى القصير، ما لم يحدث تدخل دولي خارجي بالقوة.

إلا ان ابرز ما يميز حالة النظام الايراني حالياً عن معظم السوابق التاريخية ، هو التحول في البيئة الدولية، ففي احتجاجات عامي 2009  و 2019، كان المجتمع الدولي شديد الحذر في التعامل مع الاحداث ، وصل الى مرحلة الصمت أحياناً ، ثم انتقل الى خطاب حقوقي مع عقوبات محدودة. أما اليوم فنحن أمام مرحلة تتضمن تشكيكاً علنياً في شرعية النظام من قبل كبار السياسيين في العالم، وفي مقدمتهم الرئيس الامريكي دونالد ترامب، وإشارات استخبارية إلى أن الاستقرار لم يعد مضموناً.

بالمقابل، فإن رد نظام خامنئي العنيف على هذه الاحتجاجات  يعكس هذا الادراك، حيث يمكن ان نعد خطوات مثل قطع الانترنت، وتشديد القمع، وتهديد المحتجين بالاعدام، ورفع سقف الخطاب الرسمي في تحدي الولايات المتحدة، كلها مؤشرات على ان الدولة ترى في ما يجري تهديداً وجودياً لا يمكن التعامل معه بأدوات سياسية تقليدية.. وفي الوقت نفسه، فإن الحكومة الايرانية تحاول احتواء الموقف عن طريق التمييز بين المحتجين ومن تسميهم بـ”المخربين” في محاولة لتقليل الكلفة دون تقديم مسار اصلاح حقيقي، لانها لا تمتلك أية حلول حقيقة حالياً كما افاد كبار المسؤولين في الحكومة، وهذا التناقض يعكس حالة دفاعية أكثر منه ثقة بالقدرة على استعادة الشرعية، واقناع الجماهير الغاضبة التي رفعت سقف مطالبها من الاصلاح الاقتصادي، الى المطالبة برحيل رأس النظام “خامنئي” نفسه.

ووفقاً لكل ما ذكر ، يمكن القول ان نظام خامنئي لا يقف على أعتاب سقوط وشيك عن طريق التظاهرات وحدها، بل انه دخل في مرحلة تاريخية شبيهة بمراحل ما قبل الانهيار في أنظمة كبرى، وما لم يحصل تدخل عسكري دولي او امريكي خارجي حاسم، فمن المرجح ان يبقى هذا النظام في المدى القريب، لكنه سيضعف أكثر فأكثر، وسوف يستمد مقومات بقاءه من خلال رفع وتيرة القمع والعنف لا اكثر. وكما اظهرت تجارب الاتحاد السوفيتي وانظمة ما بعد الربيع العربي، فإن هذه المرحلة قد تطول، لكنها نادراً ما تنتهي بعودة النظام قوياً كما كان.

الخلاصة، آن الاحتجاجات الحالية لا تعني نهاية النظام الايراني، لكنها قد تكون بداية مسار جديد من التآكل والانهاك، والسؤال الان لم يعد إن كان النظام سيسقط غداً، بل كم من الوقت يستطيع إدارة دولة فقد جزءاً كبيراً من ثقة شعبها؟! 

وبالنتيجة فإن الاحتمال الوحيد لنجاح سيناريو الانهيار السريع للنظام، هو التدخل الخارجي العسكري الذي قد يشل قدرات النظام القمعية ويعزز قوة الانتفاضة ، او يقطع رأس النظام مباشرة، ويفتح الباب إما أمام نظام جديد، أو مكمل للنظام الحالي، لكن بلا مرشد متعنت يقود بسياساته التوسعية بلاده الى الهلاك!

رئيس تحرير صحيفة يورو تايمز السويدية الناطقة بالعربية

زر الذهاب إلى الأعلى