د. بندر عباس اللامي: المالكي والولاية الثالثة

تعد عودة نوري المالكي إلى سدة رئاسة الوزراء في العراق واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في المشهد السياسي العراقي. فالرجل الذي حكم لولايتين كارثيتين للعراق واهله (2006-2014) لا يزال يعتقد انه يمثل رقماً صعباً و”عراباً” للإطار التنسيقي لكن طموحه بالولاية الثالثة يصطدم بجدران كونكريتية سميكة جدا محلياً وإقليمياً للأسباب التالية :-
أولاً: نوري المالكي والتوازنات الإقليمية.. هل الضوء أخضر؟ لان التوازنات الإقليمية والدولية هي “الترمومتر” الذي يقيس مدى قدرة أي شخصية عراقية على الوصول للمنصب السيادي الأول. بالنسبة للمالكي وهنا تبدو الصورة معقدة جدا وذلك بسبب :
1.الموقف الإيراني فطهران تنظر للمالكي كحليف استراتيجي وصمام أمان لمصالحها لكنها في الوقت نفسه تعطي الأولوية لاستقرار البيت الشيعي لان ملالي إيران يدركون أن فرض المالكي قد يؤدي إلى صراع دموي لاسيما مع التيار الصدري لذا قد تفضل طهران شخصية تسوية مثل السوداني او العبادي حالياً لتضمن مصالحها دون استفزاز الخصوم.
2.الموقف الأمريكي فلا يزال “الفيتو” الأمريكي الضمني حاضراً. واشنطن تحمل المالكي مسؤولية الانهيار الأمني في 2014 وصعود داعش وتراه قريباً جداً من المحور الإيراني الراديكالي وان عودته قد تعني توتراً في العلاقات العراقية الأمريكية واتجاهاً نحو العقوبات أو العزلة.
3.المحيط العربي حيث بدأت دول الخليج العربي وبالذات السعودية والإمارات بناء علاقات جيدة مع العراق في عهد الكاظمي والسوداني. وان عودة المالكي بخطابه الذي يُنظر إليه عربياً على أنه “طائفي” أو “إقصائي”قد تعيد العلاقات السيئة إلى المربع الأول من التوجس والقطيعة.
٤.الاوضاع الإقليمية والتوازنات الحالية تميل لدعم الاستقرار لا الاستقطاب والمالكي يمثل ذروة الاستقطاب.
ثانياً: ان المالكي عراب الإطار التنسيقي فهل يفك عقدة الرئاسة مجدداً؟ نجح المالكي في لملمة القوى الشيعية المنافسة لمقتدى الصدر تحت مظلة مايسمى بالإطار التنسيقي سيئ الصيت والمحتوى واستطاع بمكر سياسي ودعم إيراني من تحويل الهزيمة الانتخابية إلى انتصار سياسي بتشكيل الحكومة الماضية (السوداني) لكن عودته هو شخصياً تصطدم بعقبات داخلية عميقة أبرزها :
1.طموح الحلفاء فالإطار التنسيقي ليس كتلة صماء بل غالبيتهم لديهم طموحات تفوق قدراتهم فشخص مثل قيس الخزعلي اوهادي العامري وعمار الحكيم لديهم مصالحهم المادية والاعتبارية الخاصة أو يفضلون بقاء السوداني الذي يمنحهم مساحة من المناورة ويحققون من خلاله مكتسباتهم المالية (بالمليارات من الدولارات) ولا يرغبون في العودة لزمن الرجل الواحد والمستفيد الأكثر ماديا الذي يتميز بها المالكي.
2.الاوهام بنجاح السوداني حيث يمثل محمد شياع السوداني تحدياً للمالكي فإذا نجح السوداني في كسب ود وثقة الثلة الطامعة بالمكاسب المادية في الاطار سيكون من الصعب على الإطار (بمن فيهم المالكي) إزاحته دون مبرر قوي خاصة مع تمتعه بقبول افضل من المالكي اقليميا ودوليا.
3.عقدة الصدر فنوري المالكي هو الخط الأحمر الوحيد والثابت لدى مقتدى الصدر ووصل التنافس بينهما إلى حد الاقتتال على المصالح وليس الوطن او الشعب وأي محاولة لترشيح المالكي رسمياً قد تعني خروج انصار الصدر إلى الشارع ولا نستبعد قيامهم بدخول الخضراء مجدداً وهو سيناريو لا يريده الجميع من المستفيدين من العملية السياسية الفاشلة!
ثالثاً: العودة المستحيلة للهالكي أم الممكنة؟ إذا تعمقنا في قراءة الحظوظ السياسية العراقية التي هي خارج كل السياقات المعروفة نجد ان لا مستحيل في ترشيح الهالكي او غيره من الفاشلين لكنها تدخل في توصيف الصعبة للغاية ويمكن قراءة الحظوظ وفق السيناريوهين التاليين المحتملين :-
- سيناريو العودة الممكنة ويمكن ان تتحقق في حالة واحدة وهي الفشل الذريع للحكومة الحالية وحدوث فوضى أمنية حينها قد يضحك المالكي على جماعة الاطار الذين لأهم لهم إلا مصالحهم المادية والمصلحية وبقاؤهم بمسك السلطة باي ثمن ويقدم نفسه كرجل الدولة القوي القادر على ضبط الأمن (رغم كل إخفاقاته المعروفة) مستنداً إلى جمهور دولة القانون الذي كونه بتعيين وزرع اعداد هائلة (ربما مئات الالاف ) بوظائف بالدولة المستباحة من قبل الاحزاب والشخصيات العميلة والذي ليس لديهم اي مهمة او عمل في الدولة سوى اعادة انتخاب المالكي وجماعته ولذلك فهو الجمهور الموالي المنضبط والوفي له انتخابياً ويستغله الهالكي بكل وقت كما يراه؟!
- سيناريو “العودة المستحيلة وهو المرجح) لان فيتو مايسمى بالمرجعية لانه كذب عليهم وكذلك تحت قاعدة “المجرب لا يُجرب” التي أطلقتها مرجعية النجف التي تتحمل وزر كل الكوارث التي حصلت في العراق ولا تزال تلوح في الأفق كعائق شرعي وشعبي أمام عودته.
ان الجيل الجديد في العراق قد تغير لاسيما بعد احتجاجات تشرين 2019 المثيرة للجدل حيث بات هناك جيل كامل يرفض اعادة تدوير الوجوه الكالحة السوداء التي حكمت ولاتزال منذ 2003 والمالكي هو الرمز الأبرز لتلك الحقبة الكارثية؟!
وهناك التحالفات العابر فالمالكي رغم كل أدواته وتغلغله في تفاصيل الدولة الفاشلة يجد صعوبة في بناء تحالفات متينة مع الحزبين الكردين ومع أشباههم من السنة بسبب تجارب الصدام السابقة.
نستنتج مما سبق فان نوري المالكي يعتقد انه صانع ملوك والزعامات ؟؟!! وعراباً قوياً داخل الإطار التنسيقي ويمتلك القدرة على التعطيل والتمكين مع ذلك فأن فرص عودته لمنصب رئيس الوزراء شخصياً تبدو ضئيلة جداً ان لم تكن معدومه لانه غير مرغوب فيه وحرق اوراقه بنفسه في ظل المعطيات الراهنة. لذلك فحلم “الولاية الثالثة” يصطدم بواقع عراقي يميل نحو التهدئة وتأجيل الصدامات الكبرى، وهو واقع لا يخدم شخصية بوزن وتاريخ نوري المالكي الصدامي.
اذن المالكي الآن يصارع من أجل الإرث الضائع وضمان بقاء نفوذه من خلال رجالاته أكثر مما يصارع من أجل الكرسي نفسه الذي يدرك تماماً كلفته الباهظة في الوقت الحالي.
