آراء

فيصل الخالدي: سيرةُ عالمٍ صنعَ الإعلامَ علمًا… وتركَ أثرًا لا يُختصر

ليس من السهل اختزال سيرة الأستاذ الدكتور عبدالرزاق محمد الدليمي في تواريخ أو مناصب أو عناوين كتب فالرجل ينتمي إلى ذلك الجيل النادر من العلماء الذين لا يُقاس حضورهم بعدد إنتاجهم العلمي الرصين وما كتبوا فقط … بل بعمق ما أسسوا وباستمرار الأثر الذي تركوه في العقول والمؤسسات.
على امتداد عقود شكّل الدليمي أحد الأعمدة الفكرية التي استند إليها الإعلام العربي الأكاديمي وأسهم في نقل الإعلام من حقل الممارسة العفوية إلى فضاء العلم والنظرية والمنهج.

من التأسيس إلى الريادة
ينتمي الدكتور الدليمي إلى الجيل المؤسس للدراسات الإعلامية الحديثة في العراق والعالم العربي. وقد ارتبط اسمه ارتباطًا وثيقًا بتأسيس كليات الإعلام وفي مقدمتها كلية الإعلام في جامعة بغداد العريقة حيث كان مؤسسها وأول عميد لها واضعًا اللبنات الأولى لهويتها الأكاديمية ومؤسسًا لمناهج جمعت بين المعرفة النظرية والواقع المهني.
لم يكن التأسيس بالنسبة له فعلًا إداريًا عابرًا بل مشروعًا معرفيًا متكاملًا قوامه بناء عقل إعلامي نقدي قادر على فهم السلطة والمجتمع والتحولات العالمية لا مجرد تدريب تقني على أدوات النشر والبث.
عالم غزير الإنتاج… واسع الأفق
يصنَّف الدكتور عبدالرزاق الدليمي بوصفه واحدًا من أكثر الأكاديميين العرب غزارةً في الإنتاج العلمي الإعلامي. فقد تجاوز عطاؤه:
•مائة كتاب في الإعلام والصحافة وعلوم الاتصال
•أكثر من سبعين بحثًا علميًا محكّمًا
•كمًّا هائلًا من المقالات الفكرية والعلمية المنشورة في الصحف والمجلات والدوريات المتخصصة

وتنوعت موضوعات هذا الإنتاج بين:
•الصحافة والإعلام الدولي
•نظريات الاتصال
•الإعلام الجديد والصحافة الإلكترونية
•العولمة الإعلامية
•الدعاية والحرب النفسية
•أخلاقيات الإعلام
•الإعلام المتخصص (الطفل ؛الإعلام الإسلامي ؛وغيرها)
هذا التنوع لم يكن تشتتًا ..بل تعبيرًا عن رؤية شمولية نوعية جديدة للإعلام بوصفه علمًا متداخلًا مع السياسة والثقافة والمجتمع والتكنولوجيا.

الأستاذ الذي صنع أجيالًا
لا تقل قيمة التدريس والإشراف في مسيرة الدليمي عن التأليف. فقد أشرف على عشرات رسائل الماجستير وأطروحات الدكتوراه وناقش مئات البحوث وأسهم في تكوين أجيال من الأكاديميين والإعلاميين الذين يشغل كثير منهم اليوم مواقع مؤثرة في الجامعات والمؤسسات الإعلامية العربية.
وكان حضوره في قاعات الدرس حضور العالم والمربي معًا صارمًا في المنهج العلمي ومنفتحًا في الفكر محاورًا لا ملقنًا ومؤمنًا بأن الإعلامي الحقيقي لا يُصنع بالحفظ بل بالتفكير النقدي.
فكر إعلامي مسؤول
يمثل مشروع الدكتور الدليمي الفكري دعوة واضحة إلى:
•إعلام مهني مستقل
•إعلام واعٍ بعلاقته بالسلطة
•إعلام يدرك أثره في تشكيل الوعي الجمعي
•إعلام أخلاقي لا ينفصل عن مسؤوليته الاجتماعية
وقد تميز خطابه بنقد النماذج الإعلامية المستوردة الجاهزة، والتنبيه إلى خطورة استنساخ تجارب لا تنسجم مع السياق الثقافي العربي.

منزلة علمية راسخة
إن منزلة الأستاذ الدكتور عبدالرزاق محمد الدليمي لا تُستمد من المناصب التي شغلها بل من كونه:
•مرجعًا علميًا في دراسات الإعلام
•شخصية مؤسسة لا طارئة
•صاحب خبرات وأثر تراكمي ممتد عبر الزمن
وهو من أولئك العلماء الذين يظل حضورهم فاعلًا حتى في غيابهم لأنهم أسسوا فكرة وبنوا مدرسة وتركوا أثرًا لا يزول.

في زمن تتسارع فيه الأسماء وتبهت فيه المشاريع تبقى سيرة الدكتور عبدالرزاق محمد الدليمي مثالًا للعالم الذي جعل من الإعلام علمًا، ومن الجامعة رسالة ومن الكلمة مسؤولية. إنها سيرة عطاء هادئ عميق ومستمر، تستحق أن تُقرأ بوصفها جزءًا من تاريخ الإعلام العربي المعاصر .

زر الذهاب إلى الأعلى