عبدالله سلمان: الانتقائية الاستراتيجية الأمريكية.. أزمة غرينلاند وتحدّي سيادة الحلفاء بالقوة

في لحظة دولية تتزايد فيها التوترات الجيوسياسية وتتعاظم فيها أهمية المواقع الاستراتيجية تبرز أزمة غرينلاند كأكثر من مجرد ملف سياسي عابر فهي ليست خلافًا دبلوماسيًا تقليديًا بين الولايات المتحدة والدنمارك بل تحوّلت إلى اختبار حقيقي لطبيعة العلاقات داخل المنظومة الغربية ولمدى التزام القوى الكبرى بقواعد السيادة والتحالف.
إن الحديث عن فرض اتفاقات أمنية تتجاوز العاصمة الدنماركية أو التلويح باستخدام أدوات الضغط القسري تحت ذريعة الأمن القومي يضع العالم أمام مشهد مقلق، حليف تاريخي يجد نفسه في مواجهة منطق القوة الصادر من أقرب شركائه. وهنا لا تعود الأزمة مرتبطة بغرينلاند وحدها بل تمتد لتطال مصداقية الناتو نفسه ومعنى التحالف في زمن تتقدّم فيه المصالح على المبادئ.
تمثّل غرينلاند اليوم نقطة ارتكاز استراتيجية في معادلة الأمن العالمي نظرًا لموقعها في القطب الشمالي وما يتيحه من سيطرة على طرق بحرية جديدة وثروات طبيعية هائلة. ومع تصاعد التنافس بين الولايات المتحدة وروسيا والصين في هذه المنطقة باتت الجزيرة تتحول من إقليم يتمتع بالحكم الذاتي إلى ورقة ضغط في لعبة النفوذ الدولي.
غير أن الإشكال لا يكمن في الاهتمام الأمريكي بغرينلاند فهذا أمر مفهوم في سياق الصراع العالمي بل في الأسلوب الذي يُطرح به هذا الاهتمام، تجاوز الدولة الأم والحديث عن ترتيبات أمنية أو سيادية تُفرض من الأعلى بما يشبه التعامل مع أراضٍ بلا مرجعية سيادية.
ان العلاقات الدولية الحديثة تقوم على مبدأ واضح، لا أمن مستدام بلا احترام للسيادة. لكن ما تطرحه الأزمة الحالية يعكس منطقًا مختلفًا يقوم على أن الضرورات الأمنية للقوة الكبرى تبرّر تجاوز سيادة الحلفاء.
هذا المنطق يحمل تناقضًا جوهريًا فالولايات المتحدة التي تدعي الدفاع عن القانون الدولي في مواجهة خصومها تبدو مستعدة لتعليق هذه القواعد حين تتعارض مع أولوياتها الاستراتيجية. وهنا تتجلى الانتقائية الاستراتيجية في أوضح صورها، احترام السيادة عندما تخدم الخطاب السياسي وتجاوزها عندما تعيق المصالح.
تضع هذه التطورات الناتو أمام لحظة حرجة. فالحلف الذي تأسس على مبدأ الدفاع المشترك يجد نفسه اليوم أمام سابقة غير مألوفة، دولة عضو تُواجَه بضغط سياسي وأمني من دولة عضو أخرى.
هذا الواقع يبعث برسالة مقلقة إلى بقية أعضاء الحلف مفادها أن ميزان القوة قد يتقدّم على منطق الشراكة. وإذا كانت الدنمارك بتاريخها الطويل في التحالف مع واشنطن ليست بمنأى عن هذا الضغط فإن دولًا أخرى ستبدأ بإعادة تقييم موقعها داخل المنظومة الأطلسية ليس من زاوية الحماية فقط بل من زاوية الكلفة السياسية للانتماء.
تتمثل أولى هذه الانعكاسات في تآكل الثقة بين الحلفاء وهو أخطر ما يمكن أن يصيب أي تحالف عسكري. فالقوة العسكرية بلا ثقة سياسية تتحول إلى عبء بدل أن تكون ضمانة.
كما تهدد الأزمة بإحداث انقسام داخلي بين دول ترى في الناتو شراكة قائمة على القانون ودول أخرى تتعامل معه كأداة تخدم مصالح القيادة الأقوى. ومع مرور الوقت قد يتحول هذا الانقسام إلى شلل في آليات اتخاذ القرار خاصة في القضايا المصيرية التي تتطلب إجماعًا.
الأخطر من ذلك أن الأزمة تخلق سابقة دولية تسمح بتبرير سياسات مشابهة في مناطق أخرى من العالم ما يضعف الأساس الأخلاقي والسياسي الذي يستند إليه الغرب في الدفاع عن النظام الدولي القائم على القواعد.
ان أزمة غرينلاند تكشف التحدي الحقيقي الذي يواجه النظام الغربي اليوم لا يكمن فقط في خصومه التقليديين بل في قدرته على التوفيق بين القوة والمبدأ، بين المصلحة والسيادة. فالتحالفات لا تُقاس بميزان السلاح وحده بل بميزان الثقة والاحترام المتبادل.
وإذا استمر منطق الانتقائية الاستراتيجية في توجيه السلوك الأمريكي فإن الناتو قد يجد نفسه أمام مفارقة خطيرة تحالفا عسكريًا، ضعيف سياسيًا قادر على ردع الخصوم لكنه عاجز عن طمأنة أعضائه.
ان ازمة غرينلاند ليست هي القضية الأساسية بل مستقبل فكرة التحالف نفسها، هل تبقى شراكة بين دول ذات سيادة متساوية أم تتحول إلى منظومة تُدار بمنطق القوة حيث يُطلب من الحلفاء الامتثال أكثر مما يُطلب منهم المشاركة؟
الإجابة عن هذا السؤال ستحدد ليس فقط مصير أزمة غرينلاند بل شكل النظام الدولي في السنوات القادمة.
اما على صعيد الحرب الأوكرانية تشكل أزمة غرينلاند خطرًا مباشرًا على الموقف الغربي منها، لأن أي تصدّع في وحدة الناتو ينعكس فورًا على قدرة الحلف في مواجهة روسيا. فالدعم الغربي لأوكرانيا يقوم أساسًا على تماسك الجبهة الأطلسية سياسيًا قبل أن يكون عسكريًا وأي خلاف عميق بين الولايات المتحدة وحليف أوروبي مركزي كالدنمارك سيضعف الرسالة التي يوجّهها الناتو إلى موسكو.
وفي هذا السياق تكتسب تصريحات رئيسة وزراء الدنمارك ميتة فريدريكسن دلالة بالغة حين حذّرت من أن استحواذ ترامب على غرينلاند “سينهي كل شيء”، في إشارة واضحة إلى أن المسألة لا تتعلق بجزيرة بل بمستقبل الناتو والتحالفات الاستراتيجية بأكملها فإذا باتت الدول الحليفة تخشى من سياسات الإكراه داخل المعسكر نفسه فإن وحدة الموقف في دعم أوكرانيا ستتآكل وستجد روسيا في ذلك فرصة استراتيجية لإعادة رسم ميزان القوة في أوروبا.
يسعى ترامب وفق هذا المنطق إلى إعادة تعريف القوة الأمريكية لا كقيادة عالمية مسؤولة بل كقوة توسعية تفرض نفوذها بمنطق الإمبراطورية لا الشراكة. وهذا التحوّل إن ترسّخ لا يبشّر بعالم أكثر أمنًا بل بمستقبل مظلم تُدار فيه العلاقات الدولية بالقوة لا بالقانون بما يهدد استقرار النظام العالمي ووجوده. وما اشبه هذا الحال بما مر به العالم من ظروف مماثلة قبيل الحرب العالمية الثانية .
