نزار العوصجي: الاحتفال بعيد الميلاد المجيد

في الأردن العزيز ، بلد الأمن و الأمان و العيش المشترك ، يشارك معظم المسيحيين العراقيين ، المضطهدين و المهجرين ، الذين أرغموا على المغادرة و الابتعاد عن بلدهم العراق ، الاحتفال بعيد الميلاد المجيد ، ذكرى مولد السيد المسيح عليه السلام ، رسول المحبة و السلام ..
و وسط حضور كثيف للمومنين من مختلف مناطق عمان يتجاوز عددهم الألف مؤمن ، احتفلت الرعية الكلدانية في الأردن بليلة عيد الميلاد المجيد من خلال قداس احتفالي اختلطت فيه دموع الفرح ، بدموع الحسرة على ضيق الحال ، و الغربة عن الوطن ..
كذلك هو حال بقية المؤمنين من رعايا الكنائس الأخرى ، من السريان الكاثوليك و السريان الأرثوذكس ..
أحتفلوا جميعاً بميلادُ النور الذي توهج في وجه العتمة ، و بميلادُ الرحمة في زمن القسوة ، و ميلادُ الكلمة التي دعت إلى المحبة و التسامح و غفران ذنوب الآخر ، لتبقى هذه المناسبة رسالة إنسانية خالدة تتجاوز الزمان و المكان ..
ان الميلاد الذي يحتفلون به هو مسيرة مستمرة نحو مغارة بيت لحم ، يعيشوها في كل يوم ، متخذين من الرعاة البسطاء نموذجاً لهم بالاستماع لكلمة الله ، و العمل بها منطلقين نحو الأيمان الحق ، و التعجب و الاندهاش بالعلامة التي أعطاها الله للرعاة (طفل مقمط موضوع في مذود) ..
لم يخلوا أحتفالهم أبداً من التضرع إلى الله ، راجين أن يكون هذا العيد بشارة خيرٍ للعالم أجمع ، تُضمِّد جراحه ، و تُطفئ نيران الحروب ، و تُعيد للإنسان كرامته ، و للقلوب طمأنينتها ، و تعزّز قيم التعايش و الوئام بين أبناء الإنسانية جمعاء ..
و رغم الألم الذي يعتصر قلوبهم الملكومة ، لم يخلوا أحتفالهم من الدعاء للخالق ، ليحل سلاماً يعمّ الأرض ، و ان يكون الناس أكثر قرباً من المحبة الصادقة ، و أكثر وفاءً للإنسانية الحقة ، و ان يعيده الله على العراق و شعبه بالأمن و اليُمن و البركات ..
كما رفع المؤمنون طلباتهم متضرعين إلى الله لاجل الأردن العزيز ، ملكاً و حكومةً و شعباً ، كي يبقى آمناً و مستقراً ، و رمزاً للعيش المشترك ، و لأجل استقرار و إزدهار العراق ، و لأجل السلام في العالم ..
وعند انتهاء مراسيم القداس ، يتبادل المؤمنون التهاني رغم الألم الذي يعتصر قلوبهم ، متمنين لبعضهم البعض عيداً سعيداً ..
أن هؤلاء المسيحيين العراقيين المسالمين الذين لا يعرفون معنى الغدر ، و لا يؤمنون بلغة العنف و منطق القوة ، قد واجهوا صعوبات جمه ادت بهم إلى الاغتراب الإجباري ، مما جعلهم يتخلون مرغمين عن دورهم و أملاكهم و ممتلكاتهم و محلات رزقهم التي سلبت و نهبت ، و التي تم الاستيلاء عليها و إستغلالها دون وجه حق ، بحجة شرعية حللتها لهم فتوى لاتمت للشرعية بصلة قطعاً ، تجيز الاستحواذ على مقدرات الغير ، بذريعة أنهم من أزلام النظام الوطني ..
لقد عمد هؤلاء المغتصبين إلى تحويل و نقل ملكية عدد كبير من تلك الدور و العقارات و الممتلكات باسماء أشخاص تابعين لهم ، من خلال التحايل و تزوير سندات الملكية للكثير من تلك العقارات في مناطق المنصور و الكراده و الجادريه و غيرها ، مختلقين الحجج و الذرائع و الاكاذيب التي لا تمت للحقيقة بصلة ، ناهيك عن عمليات الخطف و الابتزاز و طلب الفدية و التهديد ، مما صعب من مهمة عودة تلك العوائل الى سابق عهدها ، بل أصبح أمراً شبه مستحيل ، و في غاية الصعوبة ..
هذه الممارسات و السلوكيات دفعت الكثير منهم إلى مغادرة العراق ، و الوقوف في طوابير طويلة إمام ممثليات الأمم المتحدة و المنظمات الإنسانية طلباً للأمن و الأمان ، على أملً الحصول على حق اللجوء الإنساني ، منتظرين عطف دول العالم ، بأن يتصدقوا عليهم في قبولهم كلاجئين أذلاء ، بعد أن كانوا أسياداً في وطنهم ..
من هنا نتوجه بالسؤال أصحاب القرار و المسؤولين عن تطبيق العدالة الاجتماعية ، و على تطبيق المبادئ الدينية و الأخلاقية ، بمن فيهم القائمين على نزاهة القضاء ، لنسأل عن صيغ العدالة الواجب التعامل بها مع المسيحيين العراقيين الذين خسروا كل شيئ ، أليس من حقهم المطالبة بالتعويض عن خسارتهم لممتلكاتهم و مستقبل اولادهم و احفادهم ؟؟
لقد أسمعتَ لو ناديتَ حيّاً
ولكن لا حياة لمن تنادي”
“ولو نارٌ نفختَ بها أضاءت
ولكن أنتَ تنفخُ في الرمادِ”
