روبيرت ملحم: حين يتحـول التهـديد الأميركي لإيـران مـن تحـذيـر إلـى سـيناريـو مفتـوح

لم يعد التهديد الأميركي لإيران مجرد خطاب سياسي أو أداة ضغط تقليدية تُستخدم لتحسين شروط التفاوض. فالتطور اللافت المتمثل باعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو شكّل نقطة تحوّل فارقة في سلوك واشنطن الخارجي، ورسالة صريحة مفادها أن الولايات المتحدة باتت مستعدة للانتقال من سياسة الاحتواء الطويل إلى سياسة الفعل المباشر، حين ترى أن الظروف باتت مواتية.
هذه السابقة غير المسبوقة تضع النظام الإيراني في قلب العاصفة. فطهران، التي اعتادت قراءة التهديدات الأميركية بوصفها جزءاً من حرب نفسية مزمنة، تجد نفسها اليوم أمام واقع جديد: نموذج مادورو قد لا يكون استثناءً، بل مقدمة لمرحلة تتآكل فيها فكرة “الخطوط الحمراء” التي طالما احتمت بها الأنظمة المناوئة لواشنطن.
الضغط على إيران لم يعد أحادي البعد. فمن جهة، يواجه النظام أزمة داخلية متفاقمة، مع تصاعد الاحتجاجات الشعبية نتيجة الانهيار الاقتصادي، وتدهور العملة، واتساع رقعة الفقر، وفقدان الثقة بأي وعود إصلاحية. ومن جهة أخرى، تأتي التهديدات الأميركية لتضيق الخناق أكثر، وتضع القيادة الإيرانية أمام معادلة شديدة القسوة: القمع المكلف داخلياً، أو التراجع الذي قد يُفسَّر ضعفاً ويُسرّع الانهيار.
التحول الأخطر في المشهد يتمثل في تلاقي الضغطين الداخلي والخارجي. فالاحتجاجات، وإن كانت أقل اتساعاً من موجات سابقة، إلا أنها تحمل هذه المرة طابعاً سياسياً أكثر وضوحاً، مع هتافات تطعن مباشرة بشرعية النظام وتستهدف المرشد الأعلى. وهذا ما يجعل أي تصعيد أمني واسع محفوفاً بمخاطر أكبر، خصوصاً في ظل مراقبة أميركية لصيقة واستعداد معلن للتدخل تحت عناوين “حماية المدنيين” أو “منع المجازر”.
في المقابل، يبدو أن واشنطن تسعى إلى استثمار لحظة الارتباك الإيراني. فبعد سنوات من العقوبات التي أنهكت الاقتصاد دون أن تُسقط النظام، بات الرهان الأميركي منصباً على الجمع بين الخنق الاقتصادي، والعزلة السياسية، والضغط النفسي، مع إبقاء الخيار الصلب على الطاولة. واعتقال مادورو جاء ليكسر حاجز الخوف، ويؤكد أن الحصانة السياسية لم تعد مضمونة، حتى لرؤساء دول.
داخل أروقة الحكم في طهران، تتصاعد المخاوف من أن تتحول إيران إلى “الحالة التالية” في استراتيجية أميركية أكثر هجومية، خصوصاً مع استمرار الاتهامات المتعلقة بالبرنامج النووي، والدور الإقليمي لطهران، والدعم المفتوح للفصائل المسلحة. ومع تراجع قدرة إيران على المناورة إقليمياً، وتآكل نفوذها في أكثر من ساحة، تبدو أوراقها أقل قوة مما كانت عليه قبل سنوات.
ما بعد مادورو ليس مجرد حدث عابر في أمريكا اللاتينية، بل رسالة استراتيجية موجهة إلى كل الأنظمة التي تراهن على الزمن أو على انشغال واشنطن بملفات أخرى. الرسالة تقول بوضوح: عندما تتقاطع هشاشة الداخل مع لحظة دولية مواتية، فإن التهديد قد يتحول إلى قرار.
وبينما تحاول طهران التقليل من وقع التهديدات الأميركية، فإن الوقائع على الأرض تشير إلى أن مرحلة جديدة قد بدأت، عنوانها تضييق الخناق حتى أقصى حد. وفي هذه المرحلة، لم يعد السؤال ما إذا كانت الولايات المتحدة ستصعّد، بل متى، وبأي شكل، وما إذا كان النظام الإيراني يمتلك فعلاً القدرة على الصمود أمام عاصفة تتشكل من الداخل والخارج في آن واحد.
