آراء

د. بهاء احمد الياسين: تحولات ما بعد فنزويلا : صراع القوى الكبرى بين واشنطن وموسكو وبكين

شهدت فنزويلا تطوراً لافتاً بعد التدخل الأمريكي الأخير، الذي أعاد تسليط الضوء على التنافس الدولي في أمريكا اللاتينية ، وأثار نقاشا واسعاً حول إعادة رسم موازين النفوذ بين الولايات المتحدة وخصومها التقليديين . ويأتي هذا التحرك في وقت تتصاعد فيه التوترات العالمية ، ما جعله محط اهتمام القوى الكبرى التي تراقب تداعياته على ملفات أخرى ، أبرزها الحرب في أوكرانيا.

وفقاً لمصادر سياسية ، تعمل واشنطن على دعم ترتيبات انتقالية داخل فنزويلا تهدف إلى تثبيت سلطة قادرة على إدارة المرحلة المقبلة وضمان استقرار قطاع الطاقة ، ضمن جهود تهدف الى منع اي تمدد او نفوذ روسي أو صيني في دولة تمتلك أحد أكبر الاحتياطيات النفطية في العالم . وتشير التقديرات إلى أن الولايات المتحدة تسعى من خلال هذا التحرك إلى تعزيز نفوذها في محيطها الاستراتيجي التقليدي .

في المقابل ، تنظر إيران إلى التطورات باعتبارها مؤشراً على استعداد واشنطن لاستخدام القوة خارج الشرق الأوسط ، ما يدفعها إلى تعزيز تعاونها مع موسكو وبكين وتكثيف أدوات الردع غير المباشر . ويرى مراقبون أن طهران ستتجنب أي مواجهة مباشرة ، لكنها ستعمل على رفع مستوى التنسيق مع حلفائها للحد من الضغوط الأمريكية .

أما روسيا والصين ، فتتعاملان مع الحدث بحذر واضح . فموسكو ، المنشغلة بالحرب في أوكرانيا ،تكتفي بالاعتراض السياسي والدبلوماسي ، مع دعم محدود للأطراف المتضررة من التحرك الأمريكي . وتحرص بكين بدورها على الحفاظ على توازن يسمح لها بحماية مصالحها الاقتصادية دون الدخول في صدام مباشر مع واشنطن ، مع استمرارها في مراقبة تأثير التطورات على علاقاتها في المنطقة .

وتتابع أوروبا المشهد من زاوية تأثيره المحتمل على الصراع في أوكرانيا ، إذ تخشى العواصم الأوروبية من أن يؤدي أي استنزاف روسي خارج الجبهة الأوكرانية إلى تغييرات في مسار الحرب . لذلك يتركز الموقف الأوروبي على الدعوة إلى التهدئة واحترام القانون الدولي ، دون اتخاذ مواقف قد تفسر كمعارضة مباشرة للولايات المتحدة .

وتشير القراءة العامة للتطورات إلى أن ما يجري في فنزويلا يتجاوز حدود الأزمة الداخلية ، ليصبح جزءاً من مشهد دولي أوسع يعيد تشكيل ملامح التنافس بين القوى الكبرى . فالتداخل بين ملفات الطاقة والأمن والتحالفات يجعل من فنزويلا نقطة اختبار جديدة في صراع النفوذ العالمي ، في وقت تتجه فيه العلاقات الدولية نحو مزيد من التعقيد خلال المرحلة المقبلة .

زر الذهاب إلى الأعلى