موفق الخطاب: تحت المجهر.. من هو الهدف التالي بعد مادورو؟

نهاية الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو باختطافه من غرفة نومه
ليست مجرد عملية عسكرية… بل استعراض مرعب لقوة التكنولوجيا
الخبر الذي هزّ العالم اليوم تمثّل في إعلان اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، أعقبه إعلان الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب عن نجاح العملية.
غير أن الحدث، في جوهره، لا يمكن قراءته كعملية عسكرية تقليدية، بل كـنموذج متكامل لحرب تكنولوجية متقدمة، تكشف إلى أي مدى تغيّرت أدوات السيطرة والحسم في القرن الحادي والعشرين.
السؤال الذي يفرض نفسه بقوة:
ما الأدوات التي مكّنت عملية بهذا الحجم والخطورة من النجاح بدقة جراحية مذهلة، وفي زمن قياسي و بأقل الخسائر؟
بحسب التفاصيل المسربة والتحليلات التقنية المتداولة، لم يكن ما جرى غزوًا عسكريًا بالمعنى الكلاسيكي، ولم تشهد فنزويلا تحرك جيوش جرارة أو اشتباكات واسعة وتحريك غواصات وفرقاطات واسراب طائرات، بل كانت حربًا سيبرانية وتكنولوجية بامتياز، نُفّذت على مراحل محكمة:
أولًا: العزل الرقمي الشامل (Cyber Blackout)
قبل أن تُطلق أي رصاصة، تم شلّ أنظمة الاتصالات والدفاع الجوي الفنزويلية بشكل كامل.
مع شن هجمات سيبرانية متزامنة استهدفت البنية التحتية الرقمية، أدت إلى شلل شبه تام في القيادة والسيطرة، وجعلت مراكز القرار عمياء ومعزولة عن العالم الخارجي.
العاصمة كاراكاس، إلى جانب عدة مناطق حيوية، شهدت انقطاعًا واسعًا في شبكات الإنترنت والكهرباء، مما أحدث فوضى معلوماتية أربكت القيادات العسكرية والأمنية، وقطعت التواصل بين الوحدات الميدانية ومراكز القيادة.
ثانيًا: الدرونات والذكاء الاصطناعي (AI & Drones)
المرحلة التالية قادتها أسراب من الطائرات المسيّرة المتطورة، التي لم تكن مجرد أدوات استطلاع أو تصوير.
هذه الدرونات كانت مزودة بأنظمة ذكاء اصطناعي قادرة على تحليل الأهداف، واتخاذ قرارات الاشتباك ذاتيًا، وتحديد المواقع الحساسة بدقة متناهية.
و بحسب ما ورد في التحليلات، استخدمت هذه الأسراب خوارزميات متقدمة لتقليل الخسائر البشرية إلى الحد الأدنى، مع التركيز على تعقّب الهدف الأساسي، أي الرئيس مادورو، وتحديد موقعه بدقة شبه مليمترية. ولا يخلو الأمر عن خرق داخل صفوف قيادته و حمايته..
ثالثًا: التجهيز المتقدم للقوات الخاصة التي نُفّذت على الأرض لم تكن قوات تقليدية.
كانت مجهزة بأحدث تقنيات الرؤية الليلية والحرارية، ومرتبطة بشكل مباشر بالأقمار الصناعية وأنظمة تحليل البيانات اللحظية.
الجندي في هذه العملية لم يكن يتحرك بناءً على الحدس أو التقدير الميداني فقط، بل كان يرى ما خلف الجدران، ويعرف ما ينتظره قبل التقدم بخطوة واحدة، بفضل الدمج الفوري بين المعلومات الاستخباراتية والتحليل الرقمي.
رابعا :حجم الفساد والتفكك الذي انهك البلاد والقوة والسلطة المفرطة في التعامل مع الشعب الفنزولي والتي اوصلت البلاد الى حافة الانهيار مما سهل على الجانب الأمريكي القيام بهذه المغامرة دون ردة فعل داخلي..
هذا الحدث يؤكد مرة أخرى حقيقة باتت واضحة:
حروب المستقبل لا يكسبها من يمتلك عددًا أكبر من الجنود أو العتاد او العديد من المليشيات والفصائل المسلحة ولن تنفع معها حتى التحالفات ، ومن يفرض نفسه هو من يمتلك شفرة أقوى، وخوارزميات أذكى، وسيطرة رقمية أشمل..
العالم قد تغيّر، وموازين القوة تغيّرت معه، وأصبحت الهيمنة اليوم في يد التكنولوجيا لا في فوهات البنادق وحدها.
و السؤال الذي يطرح نفسه بقوة:
هل هذا التطور التكنولوجي يجعل العالم أكثر أمنًا واستقرارًا؟
أم أننا نسير بخطى متسارعة نحو سيناريوهات مرعبة تشبه أفلام الخيال العلمي
حيث يمكن إسقاط أنظمة كاملة خلال ساعات بضغطة زر؟
ولزيادة الصدمة، تشير التقارير إلى أن العملية كاملة، منذ بداية القصف الجوي وحتى “استخراج الهدف” (مادورو)، لم تستغرق أكثر من ساعتين إلى ثلاث ساعات كحد أقصى.
القصف الجوي المركّز، الذي استُخدم لتعطيل منظومات الدفاع الجوي وشلّ مراكز الرد، استمر قرابة ثلاثين دقيقة فقط…
وما لم يتطرق له الاعلام أن استهداف الرئيس الفنزويلي وإسقاطه لم يكن وليد عامل واحد، بل نتيجة تراكب سببين جوهريين شكّلا معًا خطًا أحمر في الحسابات الجيوسياسية الدولية.
السبب الأول:
يتمثل في موقفه السياسي العلني والمتكرر من القضية الفلسطينية، وتعاطفه الصريح معها، وتنديده الواضح بغزو غزة وما رافقه من دمار وسقوط مدنيين وادانته الصريحة للمجرم نتنياهو هذا الموقف ،الذي خرج عن السردية الغربية السائدة، اعتُبر تحديًا سياسيًا غير مقبول في مرحلة تُدار فيها الصراعات وفق اصطفافات صارمة، ويُنظر إلى أي خطاب أخلاقي مستقل بوصفه خروجًا يجب كبحه أو إسكات صاحبه.
أما السبب الثاني:
والأكثر حساسية على المستوى الاستراتيجي، فيكمن في امتلاك فنزويلا لأكبر احتياطي نفطي مُثبت في العالم، وهو احتياطي ظلّ لسنوات طويلة خارج دائرة السيطرة الأمريكية المباشرة.
فمنذ سياسات التأميم التي انتهجتها كاراكاس، وإقصاء الشركات الغربية الكبرى، والتوجّه نحو شراكات مع قوى منافسة كروسيا والصين وإيران، تحوّلت فنزويلا إلى عقدة طاقة متمرّدة في النظام العالمي، وصداع دائم في الحسابات الأمريكية، لا سيما في منطقة تُعد تاريخيًا مجال نفوذ تقليدي لواشنطن.
وبحسب هذا المنظور، فإن الجمع بين ثروة نفطية هائلة خارج منظومة التحكم، واستقلال سياسي عن الإرادة الأمريكية، ومواقف صدامية في ملفات دولية حساسة كفلسطين وغزة والتقارب مع النظام الإيراني، جعل من النظام الفنزويلي هدفًا مشروعًا في منطق الصراع الحديث، حيث لم تعد الحروب تُخاض فقط بالمدافع، بل بالمواقف، وبالتحكم في الموارد، وبكسر أي نموذج يهدد توازن الهيمنة..
ولا ندري من هي الرؤوس اليانعة التي حان قطافها؟؟
