د. قحطان صديق: الديمقراطية التوافقية في العراق .. حقيقة ام وهم ؟
الاكاديمي الهولندي آرنت ليبهارد صاغ نموذجا للمجتمعات شديدة الانقسام سماه الديمقراطية التوافقية Consociational Democracy ، وتعني ان الاستقرار السياسي في دول منقسمة طائفيا لا تجلبه صيغ الاغلبية والاقلية ، بل يتحقق من خلال تقاسم مدروس للسلطة بين الجماعات الرئيسية يستند الى مرتكزات بنيوية ..
اولا : إئتلاف عريض لاشراك ممثلي جميع المكونات في السلطة التنفيذية ..
ثانيا : اعتماد آليات تمثيل نسبي في البرلمان والادارة ..
ثالثا : منح الجماعات المختلفة ادارة ذاتية لشؤونها “فيدرالية”..
رابعا : للاقلية حق نقض القرارات لتعزيز قدرتها على مواجهة الاغلبية ..
اولويات هذا النظام هو منع الاحتراب الطائفي في دول المكونات ..
وقد نجح هذا النظام في دول اوربية بعينها مثل سويسرة وهولندة ..
هذا النظام يحتاج راعي خارجي يعمل كحكم محايد يمنع تغول طرف على آخر ..
في البلدان العربية طبق نظام الديمقراطية التوافقية في لبنان بعد استقلالها وكان الراعي هو فرنسا ومع ان لبنان امتاز بمجتمع متنور مثقف يتقبل الاختلاف ، ولكن مع الوقت اختل النظام واندلعت الحرب الاهلية في 1975 التي دامت خمسة عشر عاما ، اي ان التوافقية فشلت في منع وقوع الحرب الطائفية ..
التجربة العراقية بعد 2003 كانت مريرة فالتوافقية ، تحولت إلى نظام محاصصة حزبية يرتكز على توزيع المناصب والموارد بين قوى سياسية طائفية واثنية ومناطقية ..
وعمليا اقصيت احد الطوائف لانها لم تكن لديها احزاب سياسية ولم تمثل جيدا في المؤتمرات التحضيرية قبل التغيير ، ولان بعض قياداتها الدينية المتشددة قاطعت العملية السياسية ..
في التجربة العراقية ايضا فشل نظام التوافق في وقف العنف والفوضى والاحتراب ، وهبت الاحزاب والقوى المؤثرة لطائفة لتقاسم السلطة والمال واملاك الدولة وبنيتها التحتية وايرادها الريعي “النفط”..
وتعزز التداخل والتخادم بين الاحزاب السياسية والوزارات المنبثقة عنها بحيث أصبحت الحقائب الوزارية أدوات تمويل حزبي ..
بدل تعزيز الاندماج المجتمعي وبناء دولة المؤسسات ، فقد حدث افتراق كبير بين النظرية والتطبيق ..
ليس في الديمقراطية التوافقية معارضة برلمانية ..
البرلمان يمثل الاحزاب التي يفوز ممثلوها في الانتخابات ..
وهنا تكون آلية النقد والتصحيح والتعديل معطلة ، وخاصة ان كان الاعلام المحايد والنخب المجتمعية ومؤسسات مكافحة الفساد ضعيفة وغير مجدية ، وتكون الحصيلة ، شلل في الاجهزة الرقابية وفي الاداء البرلماني ..
كما ان تدخل دول الجوار والصراع الامريكي الايراني جعل العلاقة بين المكونات صراعيا لا توافقيا ، فتحولت التوافقية من آلية لإدارة الانقسام إلى إطار لإعادة إنتاجه والى وسيلة لتوزيع الريع بين الاحزاب المتنفذة وإلى مصدر لتعطيل الدولة ..
الفيدرالية التي توصي بها التوافقية تعطي مساحة ومرونة مناسبة للمكونات لكي تبني تجربتها في بيئتها وتجتهد لانجاحها ، كما حدث في كوردستان ..
الخلاصة : مفهوم الديمقراطية التوافقية لم يتم تطبيقه في التجربة العراقية ، ولازال مفهوم الاغلبية والاقلية حاكما فلا يوجد في البرلمان مايسمى بحق النقض تتمتع به الاقليات ، فالدستور وفي (المادة 49/ ثانيا) ينص على إن القرارات تتخذ في مجلس النواب بالاغلبية البسيطة اذا اكتمل النصاب ..
