ثقافة

سينيكا.. الفيلسوف الذي مات بعد ثلاث محاولات انتحار

من أغرب نهايات الفلاسفة الطريقة التي انتهت بها حياة الفيلسوف الروماني الشهير لوكيوس آنيوس سينيكا، حيث حكم عليه الإمبراطور نيرون بالانتحار، وذلك بعد أن وجهت إليه تهمة ملفقة، فحواها أنه كان ضالعاً في مؤامرة عرفت ب«مؤامرة بيسسون» تهدف إلى التخلص من الإمبراطور، وقد أمره هذا الأخير بأن يقتل نفسه عقاباً له على تآمره، فبادر سينيكا إلى طاعة الأمر ونفذ الحكم على نفسه بنفسه، وكان الحكم الإمبراطوري يقضي بأن يقوم سينيكا بتمزيق شرايينه بواسطة قطعة حديدية حادة، وأمام عدد من المسؤولين الذين يتوجب عليهم مراقبته ومرافقته حتى يلفظ أنفاسه الأخيرة.

في البداية لم تفلح قطعة الحديد في إحداث جرح عميق في ساقي سينيكا أو ذراعيه، لأن جلده كان جافاً، بسبب سوء التغذية ومكوثه في السجن فترة طويلة، فما كان من بعض الحاضرين إلا أن سارعوا إلى مساعدته لكي لا تطول فترة آلامه، فتناولوا قطعة الحديد وراحوا يقطعون لحم وشرايين يديه وساقيه وهو هادئ مستسلم لا تبدر عنه أي إشارة ألم أو احتجاج، بل إنه نظر حواليه ذات لحظة ليرى زوجته جالسة غير بعيد مندهشة مما يحدث، لأن الإمبراطور سمح لها بأن تحضر انتحار زوجها، فالتفت سينيكا إلى بعض الحاضرين وطلب منهم إخراجها من المكان، وقد خشي أن تقطع معاناتها شجاعته، ففعلوا وهو يتوسل إليها أن تذهب إلى غرفة مجاورة، وهكذا استعاد قوة بلاغته في لحظاته الأخيرة ودعا رفاقاً له حاضرين ليملي عليهم خطاباً أخيراً وجهه خاصة إلى الأمين ستاتيوس آنيوس، الذي كان قد تعرف إليه وارتبط معه بصداقة طويلة، حيث كان طبيباً ماهراً وصاحب خبرة طويلة، ولأن تلك المحاولة لم تؤدِ إلى موته؛ فقد طلب منه أن يحضر له السم الذي كان قد حضّره منذ فترة طويلة، على اعتبار أنه السم نفسه الذي كان يستخدم في أثينا ضد أولئك الذين حكم عليهم بالموت، فتناول سينيكا هذا المشروب، ولكن من دون جدوى أيضاً، فقد قاومت أطرافه الباردة بالفعل وأوعيته المنكمشة نشاط السم، فما كان منه إلا أن سعى إلى محاولة ثالثة للموت، فدخل حماماً ساخناً، ثم رمى بنفسه في الموقد الملتهب لتخنقه أبخرة الوقود ولا تلوح على وجهه سوى نظرة هادئة.

هكذا أنهى سينيكا حياته بأهدأ ما يفعل فيلسوف رواقي، بعد أن كانت بداياته مع الإمبراطور كاليغولا ونهايته على يد نيرون الذي تولّى بنفسه تربيته وتعليمه وعمل مستشاراً له، والاثنان معروفان بكونهما أشرس إمبراطورين عرفهما التاريخ.

زر الذهاب إلى الأعلى