آراء

نزار العوصجي: الوعي المقيد و الجهل المقدس

كلما زاد الوعي لدى الشعوب و قل الجهل كان الأفراد أكثر قدرة على تحمل مسؤولياتهم ، و أكثر فهماً لدور المسؤول ، سواء كان موظفاً بسيطاً أو وزيراً أو حتى رئيس وزراء ..
دور لا يتعدى أن يكون تنفيذ الميثاق الذي يحدد نوع العلاقة بين الحاكم و المحكوم ، و الذي أصبحت فيه الديمقراطية أكثر نمط يحكم هذه العلاقة ، بتحديد واجبات و حقوق كل طرف في الدستور ، و مجموعة من القوانين المنظمة لكل نواحي الحياة ..
في الدولة المتقدمة و المتحضرة ، كلما تطورت الدولة و تقدمت أصبحت القيادة فيها للمؤسسات لا للأفراد ، و زالت الحاجة لوجود القائد ( المرجع ) الذي يمتلك القدرة على أن يفعل كل شيئ ، و يحفز الناس على القيام بواجباتهم ..

على النقيض نجد أن الدول المتخلفة لا تزال تبحث عن القائد ( المرجع ) الذي يجب أن يتوفر حتى تبدأ رحلة الإصلاح و التطوير و الازدهار ، و ذلك أن الشعوب المتخلفة تفتقد للقدرة على فهم واجباتها و تحديد حقوقها ، و هو ما يجعلها تبحث عن شخص ذو ثقة من أجل أن يوضح لكل طرف ما له و ما عليه ..
شخص يقترب إلى الأساطير التي نسمع عنها في قصص الجدات ، بل تعدى الأمر ..
أن هذه الدول المتخلفة أصبحت تصيغ قوانينها الحاكمة للعلاقة بين الحاكم و المحكوم ، بشكل تجد هذا القائد في صلاحيات تقترب لصلاحيات الإله في الأرض ، بتجميع كل شيئ تحت أمره من سلطات تشريعية تنفيذية و قضائية و ترأس لكل الهيئات المدنية و العسكرية ، فتصبح الدول ملخصة في شخص واحد ..

“مستوى الخطاب في الدول المتقدمة واحد ، قوامه أن العلاقة بين الحاكم و المحكوم هي علاقة رضائية غير وصائية ، يمكن الفكاك منها بمجرد أن يرفض أحد الأطراف الاستمرار”..
لكن السؤال الجوهري ما الذي يجعل الدول المتخلفة و شعوبها تبحث عن القائد ( المرجع ) و الدول المتقدمة تتخلى عن هذا الخيال الاستراتيجي و توكل الحياة فيها إلى الهيئات عوض الأشخاص ؟
أظن أن الجواب على هذا السؤال بقدر كونه سهلاً و بسيطاً إلا أنه عميق و متشعب ، و الشاهد في القضية هي مستويات الخطاب الموجهة داخل الدول المتقدمة و نظيرتها المتخلفة ..
فالدول المتقدمة أصبحت بحاجة لمستوى خطاب واحد ، في حين أن الدول المتخلفة بحاجة إلى مستويات خطاب مختلفة ، و السبب الرئيسي في ذلك هو الجهل الذي يطبق على جل الدول المتخلفة ، عكس الدول المتقدمة التي تتميز بانخفاض مستويات الجهل و ارتفاع مستويات الوعي ..

ففي الدول المتخلفة ، يرى سكانها أن سبب الفساد و التخلف و الانحدار الذي يوجد فيه المجتمع هو الحاكم ، في حين أن الطبقة الحاكمة و المثقفة ترى أن السبب في كل ذلك هو الشعب ..
خطابين متصارعين يجعل الشعب يرى أن التغيير ليس مهمته ، بل تحتاج إلى قائد فذ ، أما مهمته ستأتي حين يأتي هذا القائد و عدم قدومه يعني تعطيل كل شيء في توجه يشبه إلى حد كبير ما ذهب اليه الشيعة قبل الثورة الإيرانية من تعطيل كل شيئ إلى ظهور المهدي المنتظر ، مما حول الشعوب إلى كتل من الكسل و التهرب من المسؤولية ، و امتد الأمر إلى درجة الاستسلام و التسليم مع توظيف النصوص الدينية لخدمة ذلك ..

و على الطرف الآخر من المعادلة نجد الطبقة الحاكمة و ما يدور في فلكها من المثقفين الذين يروا أن الشعوب التي يحكمونها لا تستحق أي نوع من الحرية و الرفاهية ، لأنها شعوب غير مستعدة لتحمل المسؤولية ..
و دعونا نقول أنهم يرون الشعوب عبارة عن مجموعات من الأطفال و المراهقين الذين إن منحت لهم الحرية سيسيؤون استعمالها ، وهو ما يعطي الحاكم التوجه بأن يجعل نفسه فرعونا في الأرض بتطويع القوانين و النصوص من أجل أن يجمع كل الصلاحيات في شخصه ، ظنا منه أنه بهذا يحمي الشعب المراهق من نفسه ..

و هو ما يجعلنا أمام علاقة بين شعب يرى أن لا دور له في عملية الإصلاح إلا انتظار المنقذ ليبدأ في التحرك ، و هو أمر لن يحدث طبعا لأنه مجرد هروب من الواقع ، و على الطرف الآخر حاكم يرى الشعب مراهقا يجب أن يقرر مكانه في كل شيئ ..
واقع لن يتغير خاصة أن القوى العظمى تساهم في المحافظة على هذه العلاقة من خلال تشجيعها لحكام من هذا النوع حتى يحافظوا على المعادلة التي تجعل التخلف حتمية لا يمكن الهروب منها مهما حاول البعض تفكيك طلاسم المشكل ، لأن الحاجة الحقيقية هي الحاجة إلى العلم ، علم و ثقافة أصبحت المخابر التابعة للقوى العالمية تقوم بصياغة برامجه و مقرراته لأجل المحافظة على الجهل المتغلغل في تلك الأمم ، و هو ما يجعل التخلف واقع و حقيقة بل و حتمية لا يمكن الفكاك منها ..

حوار بأتجاهين ..
الحكيم الصيني : لقد قمنا بشحن ما طلبتم من صور ائمتكم وبوسترات و غيرها ، بعد ان طبعناها في مطابعنا و وصل تحويلكم المالي بالثمن بالدولار !!! فشكرا لكم ..
السيد المعمم : لقد وصلتنا فعلاً و مأجورين ان شاء الله ..
الحكيم الصيني : سنستثمر ما ارسلتم لنا من اموال في بناء مساكن للفقراء ، و مصانع حتى نقضي على البطالة في الصين ..
السيد المعمم : سنستثمر ما ارسلتم لنا من صور و غيرها لتكون لنا رصيداً في يوم القيامة ..
الحكيم الصيني : بنقودكم بنينا 100 ألف مدرسة …
السيد المعمم : بما ارسلتم لنا من صور زيّنا 1000 موقع ..
الحكيم الصيني : ترك تلاميذنا الكتب الثقيلة بعد ان استبدلناها لهم بحواسيب خفيفة ..
السيد المعمم : اضفنا لهم كتب دين جديدة و مناهج تخص فكرنا ..
الحكيم الصيني : نعلمهم البرامجيات و هم اطفال ..
السيد المعمم : نعلمهم اللطم و التطبير و هم اطفال ..
الحكيم الصيني : سنضمن لهم مستقبلاً و حياة افضل من حياتنا ..
السيد المعمم : سنضمن لهم الشفاعة ..
الحكيم الصيني : بعد 20 سنة سنصبح الدولة الاولى على مستوى العالم في الاقتصاد ..
السيد المعمم : بعد عشرين سنة سيظهر المنتظر ..
الحكيم الصيني : شكرا على وقتك ، ساذهب للاشراف على العمل و زيادة الانتاج ..
السيد المعمم : مأجور مولاي ، ساذهب لألقاء خطبة ..

أنتهى ..

جميع المقالات تعبر عن رأي كتابها ولا تمثل يورو تايمز

زر الذهاب إلى الأعلى