هنا السويد| هنا أوروبا| أخبار| ثقافة| آراء| منوعات| طب وتكنولوجيا| كشف المستور| تحقيقات ومقابلات| أخبار الهجرة| رياضة
مقالات سابقة

الارشيف
الشهر: السنة:
مقالات اخرى
تدوينات اخرى
تحقيقات ومقابلات
القصة الكاملة للسترات الصفراء منذ إنطلاقتها حتى تحولها لحركة شعبية عارمة

2019/1/6 01:15:46 AM

تقرير / منذر المدفعي - باريس

 

عند انطلاقها كانت مجرد رأي يتبادله البعض على شبكات التواصل الأجتماعي للتعبير عن سخطهم تجاه قرارات ماكرون الأخيرة بشأن رفع أسعار الوقود عند مطلع عام 2019.

هكذا كانت ولادة حركة السترات الصفراء في منتصف شهر تشرين الثاني نوفمبر. مجرد رفض لقرارات الحكومة بشأن رفع أسعار الوقود التي كانت جزءا من خطة بعيدة المدى "الخطة الخمسية" التي ترغب فرنسا من خلالها خفض اعتمادها على البلدان النفطية والتحول نحو الطاقة المتجددة صديقة البيئة بهدف محاربة التلوث.

 

عندما تولى إيمانويل ماكرون سدة الحكم كان يعلم جيدا بأن الذين سيقفون بوجهه ويحاولون تعطيل وعرقلة كل قراراته هما جبهة اليمين المتطرف المتمثل بحزب التجمع الوطني بقيادة مارين لوبين وجبهة اليسار المتطرف المتمثل بحزب فرنسا الأبية بزعامة السياسي المخضرم والخطيب المفوه جان لوك ميلونشون. لكن ماكرون لم يستعد لمعركة يكون فيها بالمواجهة المباشرة مع أغلب شرائح الشعب الفرنسي. لم يكن في الحسبان ولادة حركة احتجاجية بهذا الشكل ويوما بعد يوم تصعد من سقف مطاليبها الدستورية وغير الدستورية.

ارتدى المتظاهرون السترات الصفراء التي يرتديها غالبا العمال وطاقم الخدمات العامة للتعبير بشكل مجرد ومباشر عن انتمائهم لطبقة اليد العاملة ومستواهم المعيشي ضمن الطبقة الوسطى والفقيرة.

عند انطلاق الحركة كانت نسبة المؤيدين لها لا تتجاوز 30 بالمئة لكن سياسة التجاهل من قبل الحكومة وإصرار ماكرون على عدم الاصغاء لمطاليب المتظاهرين دفع بنسبة كبيرة من الشعب الفرنسي إلى دعم هذه الحركة حتى تجاوزت في أسبوها الثالث 70 بالمئة من المناصرين مقابل تدني كبير لشعبية الرئيس ماكرون وأفراد حكومته.

تمثلت مطالب الأسبوع الأول بخفض أسعار الوقود وإلغاء قرار رفع تلك الأسعار عند مطلع العام المقبل وخفض تكلفة التدفئة والكهرباء وكذلك خفض الضرائب وعدم فرض ضرائب جديدة على المرتبات التقاعدية.

خلال عام واحد شهدت أسعار الوقود ارتفاعا بنسبة 23 بالمئة على أسعار الديزل و 14 بالمئة على أسعار البنزين وبالتالي أي زيادة أضافية هي قشة تكسر ظهر البعير أو قد تنتف ريش الديك الفرنسي .  

 

 

استراتيجية التظاهر

 

نظمت حركة السترات الصفراء تحركاتها وفق موعد أسبوعي ثابت وهو صباح يوم السبت من كل أسبوع. خلال بقية أيام الأسبوع يستمر أعضاء الحركة بعرقلة حركة السير في الطرق الخارجية. عرقلة حركة الدخول والخروج للشركات الكبرى وبالأخص الشركات النفطية إلا أن التحرك الجماهيري الأبرز هو مظاهرات يوم السبت.

 

المواجهة الأولى 17 نوفمبر 2018 

 

التظاهرات التي سبقت المواجهة الأولى كانت مجرد تعبير عن رفضهم لتلك القرارات من خلال عدم احترام الاشارات المرورية أو ركن السيارات في أماكن غير مخصصة لذلك وفي نفس الوقت كان عدد المعلنين عن مشاركتهم في مظاهرات السبت في تزايد متسارع، في تلك الأثناء عقد ماكرون اجتماعا طارئا مع أعضاء الحكومة ليعلن بعدها بأنه : "يعمل يدا بيد مع الرئيس ترامب لتحقيق الإستقرار في الشرق الأوسط. الأمر الذي سيكون له انعكاسات ايجابية على اسعار الوقود." وفي نفس الوقت أعلن صندوق الدعم العائلي عن منحة تتراوح بين 150 إلى 200 يورو للعوائل ذات الدخل المحدود. 

بقيت الحكومة في الأسبوع الأول تدور حول الأزمة الوليدة دون التفكير بمراجعة القرارات الأساسية التي دفعت بالفرنسيين إلى لبس ستراتهم الصفراء.

أحد المتظاهرين وهو عامل في شركة نقل تابعة للحكومة أكد لنا خلال تغطية المظاهرات: "نعم أنا لدي عمل. لم أخرج بسبب البطالة وإنما لأنني لست قادرا على ملئ ثلاجتي". 

الرواتب المتدنية دفعت بالسترات الصفراء إلى التظاهر دون تردد.

لم تقتصر المظاهرات على العاصمة باريس.. أحد أعضاء السترات الصفراء أكد أن: "مناصري الحركة في المدن الأخرى حتى لو كان عددهم قليلا فأن حلقة بشرية واحدة من 30 شخصا بأمكانها أن تخلق اختناقا مروريا عند مفترق الطرق قد يمتد إلى عدة كيلومترات خلال أقل من نصف ساعة". 

وهذا ما كان بالفعل خلال المواجهة الأولى مع الحكومة التي شارك فيها 290 ألف متظاهر في عموم فرنسا ضمت معظم الفئات العمرية من عمر الشباب وحتى سن التقاعد.  خلال الأربعة أيام الأولى من المظاهرات تسببت المواجهات مع الشرطة بمقتل شخصين واصابة 530 جريحا. هذا العدد الكبير من التظاهرين والنسبة الضخمة من الجرحى كانت واحدة من الأسباب المهمة التي أكدت للشعب الفرنسي أن السكوت سيمهد لولادة حكومة تعسفية. 

كانت استراتيجية المتظاهرين في تجمعهم الاحتجاجي الأول هو تكوين مجموعة كبيرة في جادة الشانزليزيه الشهيرة كي يتوجهوا من بعد ذلك إلى قصر الأليزيه لإيصال صوتهم إلى الرئيس الفرنسي ماكرون الذي أشار على من يشكو من ارتفاع أسعار الوقود بشراء سيارة كهربائية. 

لكن الشرطة الفرنسية كانت للمتظاهرين بالمرصاد لتمنعهم من التقدم نحو الأليزيه ثم قسمت المتظاهرين إلى مجموعات صغيرة لتدفع بهم في الشوارع الفرعية ثم فرقتهم بالقنابل المسيلة للدموع. 

وهكذا أشادت الحكومة بأداء قوات الأمن عند انتهاء المواجهة الأولى التي تكللت بالقاء القبض على 170 شخصا بتهمة المشاركة بتجمع غير مرخص به.

 

 

المواجهة الثانية 24 نوفمبر 2018

 

خلال الأسبوع الثاني أصبحت السترات الصفراء هي حديث الساعة في فرنسا. شبح اللون الأصفر حتى تلك اللحظة لم يكن مقلقا بالنسبة للرئيس الفرنسي ماكرون الذي رفض استقبال متحدثين باسم الحركة في قصر الأليزيه. بدت الحكومة ثابتة على موقفها المناهض لتلك الحركة وغير عازمة على مراجعة قراراتها بشأن مطلب الأسبوع الأول من المظاهرات. 

رئيس حزب فرنسا الأبية جان لوك ميلونشون وجه رسالة إلى ماكرون وطلب منه أن: "لا تتعامل مع هذه الحركة كما تتعامل مع الأحزاب السياسية المعارضة. هذا هيجان شعبي والأمر مختلف. قد تتسبب بنشوب ثورة عارمة في البلاد."

نداء زعيم الحزب اليساري المتشدد ميلونشون على الرغم من كونه نصيحة لماكرون إلا أنه حمل في طياته دعما سياسيا مبطنا من قبل سياسي فرنسي مخضرم لهذه الحركة حديثة الولادة والمحرومة من أي غطاء سياسي أو نقابي وبالتالي اتصفت تحركاتها بفقدان التنسيق وبقيت الوسيلة الوحيدة للتواصل هي شبكة التواصل الاجتماعي وبالتحديد الفيسبوك.

أكثر من 5000 متظاهر رفضوا التوجه إلى ساحة شامب دو مارس حيث سمحت لهم الحكومة بالتظاهر وفضلوا التجمع للمرة الثانية في جادة الشانزليزيه بعدد تجاوز 8 آلاف متظاهر حيث انتظرهم رجال أمن أكثر حزما مما بدوا عليه قبل أسبوع. وفي عموم فرنسا استقبلت الشوارع 166  ألف متظاهر.

 

لجأت الشرطة إلى القنابل المسيلة للدموع بكثافة منذ بداية التظاهرات لتدفعهم من جديد بعيدا عن الجهة المؤدية إلى قصر الأليزيه. 

تكررت حالات الأختناق أمامنا خصوصا لدى كبار السن والنساء. ميراي تبلغ 53 عاما وتعمل في شركة تنظيف تعرضت عدة مرات للاختناق: "جئت إلى هنا لأعبر عن رأيي بكل حرية وها هو ماكرون يقذفنا بالقنابل الدخانية. أنا أختنق" 

 

وفي وقت كان ماكرون يصر على عدم خفض أسعار الوقود أو مراجعة قراراته لم ينتبه بأن المطالب التي رفعوها في شعارات ذلك اليوم كانت "ماكرون استقل". ردد المتظاهرون هذه الكلمة على مسامع العالم أجمع لكن ماكرون توقف حينها على مطلب الأسبوع الماضي الذي لم يعد لديه أثر في هذا التجمع. 

أحد المتقاعدين حدثنا عن سبب مشاركته في المظاهرات: "عملت 45 عاما وها قد تم إحالتي على التقاعد. لا اسمح للدولة ان تتلاعب بالتقاعد الذي بنيته خلال سنين حياتي. أشعر وكأنها اليوم تقامر بالاعوام التي افنيتها في العمل."

وقوف الشرطة حائلا دون تقدمهم نحو قصر الأليزيه دفع بالكثيرين إلى خلع بلاط الأرض وقذفه نحو رجال الأمن. 

تسببت المواجهات في ذلك اليوم بجرح 8 أشخاص وألقت الشرطة القبض على 35 متظاهرا. 

 

عقب تلك المظاهرات بدأت الحكومة الفرنسية تلاحظ بشكل أكثر تركيزا تلك الحركة المتنامية لكن نظرتها بقيت حتى تلك اللحظة بعيدة عن الواقعية. وهذا ما أكده الرئيس الفرنسي ماكرون خلال ظهوره الأول بشأن تلك الأزمة. 

انتظر الفرنسيون خطاب الرئيس ماكرون بفارغ الصبر ليمنحهم ردا قد يخفف من حدة هذا التحرك الجماهيري. تأخر ماكرون في الرد أعتبره البعض استفزازيا وأكد للبعض الآخر أن قصر الأليزيه بعيد عن نبض الشارع. الخطاب المفصلي الذي أكد لحركة السترات الصفراء أن لا طريق للعودة إلى الوراء.

في 28 نوفمبر ألقى ماكرون  خطابا استمر قرابة 90 دقيقة دافع فيه بشراسة عن قراراته التي أثارت موجة الغضب منذ أكثر من اسبوعين: "الهدف من هذه الخطوات هو منح فرنسا استقلاليتها الاقتصادية وتخليصها من الاعتماد على البلدان النفطية... قرار زيادة أسعار الوقود تم التصويت عليه تحت قبة البرلمان" كما وعد بغلق 14 مفاعلا نوويا وتطوير مفاعلات أخرى لانتاج الكهرباء. 

لكن المواطن الفرنسي لم يكن ينتظر من ماكرون أن يحدثه عن المفاعلات النووية وعن آثار تلك القرارات التي سيلمسها بعد خمس سنوات. ولم يكن راغبا أن يحدثه عن تصويت البرلمان فقد أكد لي أحد المتظاهرين حينها أن: "ماكرون يتحدث عن عام 2025 لكن الشتاء سيكون باردا هذا العام وليس لدي ما أسدد به فواتير التدفئة والكهرباء للشهر المقبل".. 

كانوا ينتظرون ردا واضحا بشأن مطاليبهم التي اختزلها ماكرون ب: "لن أتراجع عن خطتي في التحول نحو الطاقة المتجددة. أنتم لا تحسنون استخدام الطاقة ولهذا تعانون من ارتفاع الفواتير عند نهاية الشهر".

تلك هي الكلمة التي أكدت للسترات الصفراء أن المواجهة الثالثة هي أمر واقع لا محالة. لم تكن هنالك كلمة أقرب للواقع لوصف هذا الخطاب غير عبارة "استفزازي".

 

شعر الشعب الفرنسي بالاستفزاز لترتفع شعبية السترات الصفراء بين ليلة وضحاها حسب استطلاعات الرأي التي أجرتها مؤسسة ELABE إلى 73 بالمئة وهي نسبة مخيفة تدفع بمرتدي السترة الصفراء إلى التصرف بحرية كبيرة اعتمادا على هذه النسبة الضخمة من المؤيدين. نسبة تجعله يعتقد بأن كل شيء مباح حين الوقوف وجها لوجه مع أفراد الشرطة الفرنسية أثناء...

 

المواجهة الثالثة 1 ديسمبر 2018

 

انطلق المتظاهرون هذه المرة بحشود كبيرة وبمعنويات مشحونة باليأس من استجابة الحكومة مما دفعها إلى التحول التدريجي نحو العنف. 

فمنذ أكثر من ثلاثة أسابيع وهم يقفون في مداخل الخطوط السريعة في البرد دون أن يحققوا ولو شيئا بسيطا من مطاليبهم حين انطلاق الحركة. فكيف والمطالب ما إن ترتفع حتى تصطدم بالجدران الخارجية لقصر الأليزيه وتعود أدراجها من جديد.

لم يبق غير شهر واحد على موعد تنفيذ خطة ماكرون التي ستكلفهم الكثير. لقاء ممثلي الحركة مع رئيس الوزراء إدوارد فيليب يوم أمس انتهى قبل أن يبدأ. غادروا الاجتماع حين اكتشفوا بأن إدوارد فيليب أتى بهم ليقنعهم برأيه لا ليسمع آرائهم.  

المواجهة الثالثة غاضبة منذ انطلاقها خصوصا مع سقوط القتيل الثالث منذ انطلاق الحركة. بلغ عدد المتظاهرين في باريس 7500 شخصا بينما كلفت وزارة الداخلية 5000 شرطيا لبسط الأمن في باريس وحماية الممتلكات العامة. بدت الشرطة أكثر حزما مما كانت عليه في المواجهة السابقة. أغلقت 14 محطة مترو وقرابة 40 محطة باص وأغلقت الكثير من الطرق والشوارع المؤدية إلى شارع الشانزليزيه وبالتالي تسببت تلك الاجراءات باختناق مروري في أغلب شوارع العاصمة وإرباك في خدمات شبكة المواصلات العامة التي أعلنت عبر مكبرات الصوت أنها أغلقت محطات النقل بناءا على طلب مديرية شرطة باريس. 

كي نغطي الأحداث علينا قطع مسافة عدة كيلومترات سيرا على الأقدام.  القنابل المسيلة للدموع لا تتوقف. موقف السيارات الكهربائية التي روج لها ماكرون أصبحت رمادا تذروه الرياح. 

 نصبت الشرطة حواجز حديدة مدعومة بعربات الشرطة لتمنع المتظاهرين من النفوذ إلى شارع الأليزيه كي لا يتمكنوا بتاتا من سلك الشارع. 

دفعت الشرطة بالمتظاهرين إلى ساحة شارل ديغول ـ النجمة. الساحة التي ينتصب بوسطها قوس النصر ومنها تنطلق عدة شوارع رئيسية في العاصمة.  أصبح المتظاهرون بين فكي كماشة. الشرطة تحاصرهم عند مداخل الشوارع المؤدية إلى تلك الساحة وهم هناك يطالبون باستقالة ماكرون: "لن نتراجع... يسعل كثيرا أحد المتظاهرين قبل أن يكمل كلامه. لن نتراجع أمام هذا العنف. هم يمطروننا بقنابل الدخان وخراطيم المياه. ويضربون من يقع بين أيديهم بالعصي. لن نتراجع هذا اليوم حتى نبلغ الأليزيه ونخبر ماكرون بأننا نطالبه بالاستقالة." لكن حتى لو تركتهم الشرطة فماكرون في بونس آيريس للمشاركة في قمة المناخ COP24  وصوتهم قد لا يكون عابرا للقارات من دون تغطيتنا.

الجو الغائم والممطر ضاعف من كثافة الدخان المسيل للدموع وقد سجلت الاحصاءات في تلك الليلة 1040 قنبلة دخانية تم القائها من قبل عناصر الأمن. عدد مهول لقنابل خلال ليلة واحدة. تجاوزت الشرطة حينها بالفعل حدود الحفاظ على البيئة وعرضوا أرواح الكثيرين لخطر. حالات الاختناق المتكررة وحالات الغيبوبة التي أصيب بها البعض لم تكن لتشفع لهم لينجو من تلك الكماشة الحديدة. 

استخدمت الشرطة على مدى عام 2017  أقل من 700 قنبلة دخانية. أما في ليلة 1 ديسمبر لوحدها فقد استخدمت 1040 قنبلة.  

قسمت الشرطة الفرنسية المتظاهرين إلى عدة مجموعات متفرقة في الشوارع المتفرعة من ساحة شارل ديغول ثم دفعتهم بعيدا بالقنابل الدخانية وخراطيم المياة والاعتقالات. إلا أن الخطأ الذي ارتكبته الشرطة في تلك اللحظة هو تقديم رمز الجمهورية "قوس النصر" للمتظاهرين على طبق من ذهب.

 

ترك المتظاهرون بصمة راسخة في ذاكرة الفرنسيين في تلك الليلة. 

 

تغطت جدران قوس النصر برسوم عابثة وشعارات داعمة للحركة: "السترات الصفراء ستنتصر" و "ماكرون إرحل" بالاسلوب المهين وليس بالتعبير اللغوي الفصيح. 

أما صالة قوص النصر في الطابق العلوي فقد نالت منها يد التخريب التي أسائت في نفس الوقت وبشكل كبير إلى صورة حركة السترات الصفراء التي حتى تلك اللحظة كانت تعتبر حركة احتجاج تعبر عن المواطن الفرنسي الكادح. بين ليلة وضحاها أصبح من بين صفوف تلك الحركة جناح تخريبي يسعى لاستغلال الفوضى ليسيء إلى البلاد.

خلال المظاهرات ألقت الشرطة القبض على 412 شخصا بتهمة المشاركة في تجمع غير مرخص به ومن بينهم 34 دون السن القانونية وأعدت الشرطة ملفات بخصوص 227 من المعتقلين. وأدت المواجهات بين الطرفين إلى جرح أكثر من 80 شخصا من بينهم 36 من أفراد الأمن. 

 

فرنسا تفقد الحضور الدولي

 

لم تقتصر نتائج المواجهة الثالثة على بث الفوضى بين صفوف الحركة نفسها وإنما أثرت بشكل مباشر على الحضور الدولي لفرنسا في المحافل الدولية. ماكرون الذي كان في الارجنتين للمشاركة في قمة المناخ 24 اضطر للعودة تاركا ورائه برنامجا أعدته فرنسا منذ أعوام لحماية البيئة. فرنسا التي أقنعت الولايات المتحدة بضرورة التوقيع على معاهدة المناخ في عهد الرئيس الأمريكي السابق أوباما. فرنسا التي تتعهد بغلق 14 مفاعلا نوويا خلال 4 سنوات والتي تحملت هذا الغليان الشعبي وتكبدت كل هذه الخسائر المادية على أرضها بحجة الدفاع عن البيئة والتحول نحو الطاقة المتجددة صديقة البيئة تفقد فرصتها في المشاركة وفي التصويت على القرارات أو على الأقل في تقديم برنامجها العالمي.

 

ماكرون

ماكرون يدخل في مرحلة الصمت

 

توجه ماكرون من المطار نحو موقع قوس النصر ليطلع بأم عينيه على التخريب الذي طال قوس النصر خلال الليلة الماضية. قبل عشرين يوما من ذلك التاريخ وبالتحديد في 11 نوفمبر غطى قوس النصر بظله العريض 72 رئيسا وملكا من كافة أنحاء العالم للاحتفال بمرور 100 عام على انتصار فرنسا في الحرب العالمية الأولى. وهاهو النصب نفسه بعد مرور أيام يشهد على مجد في طريقه إلى الزوال. لم يكن الموقف بالسهل للرئيس الطموح ماكرون.  

لم يصدر منه أي تصريح رسمي ولم يسمح للاعلام بالاقتراب منه. عقب ذلك حيى رجال الشرطة في مقر رئيس شرطة باريس. ليكون ذلك هو الظهور العلني الذي سيعقبه فترات اختفاء والدولة بأمس الحاجة لحضوره الدائم.

 

الشرطة الفرنسية تكثف عمليات الاعتقال

عقب التخريب الذي طال قوس النصر ألقت الشرطة الفرنسية القبض على 13 شخصا للاشتباه بتورطهم باعمال التخريب التي تم تصويرها بكاميرا هاتف جوال. وتم الحكم على 11 شخصا منهم بالسجن وحكمت على شخصين بغرامة بلغت 1800 يورو. 

 

 

إدوارد فيليب يقرر تأجيل القنبلة

 

بعد مرور ثلاثة أيام من النقاشات المستفيضة مع قادة الأحزاب السياسية الذي تهافتوا على مقر رئاسة الحكومة ماتينيون للاجتماع برئيس الوزراء إدوارد فيليب لتقديم مقترح حل سريع للأزمة قدم إدوارد خطابا قصيرا سعى من خلاله إلى تهدئة الجماهير وتعمد الاختزال والاختصار خشية الوقوع بهفوات العبارات الاستفزازية التي قد تزيد الطين بلة: "أرى جيدا الغضب الشعبي ينتشر في كل مكان. في الشوارع والمحلات وحتى على الطرقات السريعة. الأعمى والأطرش فقط هو الذي لن يرى ذلك. خلال الأيام الأخيرة استشرت عدة جهات وقررنا أن نؤجل تنفيذ قراراتنا لمدة ستة أشهر. القرارات الخاصة بزيادة أسعار الوقود. زيادة الضرائب على الرواتب وزيادة أسعار الغاز والكهرباء."

بينت الحكومة في هذا القرار بأنها تبحث عن الحل وتسعى لتصحيح مسار الحكومة واستعادة ثقة الجماهير بأدائها.  لكنها بدت وكأنها تدور حول المشكلة دون التفكير بالاقتراب منها. 

فقرار الزيادة هو الذي أثار الغليان الشعبي وتأجيله لا يعني بتاتا دفع المتظاهرين إلى خلع ستراتهم الصفراء وطويها بين بقية الملابس.  لم تكن حركة السترات الصفراء راضية عن هذا القرار لكن الجانب الايجابي الذي أكتشفته هو أنها أصبحت حركة شعبية قوية وأجبرت الحكومة للمرة الأولى منذ انطلاقها على مراجعة قراراتها وستصبح هذه الحركة هي الكابوس الذي يقلق ماكرون ويعرقل قراراته أكثر من بقية الأحزاب المعارضة وحتى نهاية ولايته. 

الحكومة تتراجع جزئيا لكن الحركة ومطالبها مستمرة بالتصاعد. هذا هو المكسب الذي حققته الحركة بعد المواجهة الثالثة بالاضافة إلى الخطابات السياسية المتواترة من أحزاب اليمين واليسار الضاغطة على الحكومة والتي تدعوه إلى الاستماع للحركة بشكل جدي. 

جبهة اليمين المتطرف واليسار المتطرف تحاول جهد الامكان الظهور كمساند معنوي لهذه الحركة دون تبني أي خطوة من خطواتها. 

اليمين المتطرف دعا ماكرون إلى السماح للمتظاهرين رسميا بالتظاهر كرد اعتبار للجمهور الفرنسي. اليسار يطالب ماكرون بتلبية مطالب الشعب الفرنسي لأنه مصدر السلطة.

الحكومة الفرنسية كي لا تجد نفسها معزولة تماما سعت لألقاء الكرة في ملعب الأحزاب السياسية والنقابات الفرنسية  واقترحت عليهم من خلال الناطق الرسمي بنيامين غريفو: "ننادي كل الأحزاب والنقابات بالقيام بدورها المسؤول لاحلال الأمن والسلام ولنخرج البلد من هذه الأزمة". الحكومة الفرنسية التي وصلت إلى نهاية الممر المسدود سعت بهذا النداء إلى سحب أكبر عدد ممكن من الشخصيات السياسية كي لا يبدو ماكرون هو الشخصية الوحيدة العاجزة وإنما كل الشركاء السياسيين.  

لكن الأحزاب الفرنسية فضلت الاستمرار بانتقاد سياسة ردع المظاهرات بالقوة والبقاء في المعسكر المساند للحركة السترات الصفراء التي تكمن قوتها في تحركها الفوضوي غير الممنهج وقيادتها غير الحاضرة وبالتالي كل فرد منها يرى نفسه قائدا لهذا التحرك وعنصرا أساسيا في تغيير مسار ولاية الرئيس الفرنسي.   

 

حركة السترات الصفراء تسجل انتصارا جديدا وتبقى غير راضية عن النتيجة

 

في الخامس من ديسمبر تراجع ماكرون عن قرار زيادة أسعار الوقود. كان الأعلان خجولا ويعبر عن الانكسار الحقيقي لقصر الأليزيه بوجه حركة لا قائد لها. خلال نقاش تلفزيوني بين وزير التحول البيئي فرانسوا دو ريجي المقرب من ماكرون وبين بعض الشباب من مناصري السترات الصفراء أكد الوزير على حين غفلة من الحضور وفي سياق الكلام أنه: "كنت مع الرئيس ماكرون على الهاتف هذا اليوم وقال لي بأنه ألغى قرار رفع أسعار الوقود." هكذا إذن ألغى ماكرون قراره..

 

حركة السترات الصفراء تستغل الموقف

 

مناصرو حركة السترات الصفراء في الشوارع أكدوا لنا أنهم: "غير راضين تماما عن هذا القرار. وليس قرار الالغاء هو الذي سيعيدنا إلى بيوتنا. الذي أخرجنا إلى الشارع هو الوضع الاقتصادي المتردي الذي نعاني منه. التفكير بالغد يشعرنا بعدم الاطمئنان. نحن نسعى إلى تغيير وضعنا المعاشي. نطالب بتحسين قدرتنا الشرائية". 

البعض الآخر لم يكن راضيا عن الحكومة لأن: "الرد جاء متأخرا. هذه الاجراءات غير كافية".

رفع القدرة الشرائية.. مطلب جديد يضاف قبل يوم واحد من المواجهة الرابعة التي تقلق الحكومة. الشرطة. وعمدة باريس آن هيدالغو التي تكلمت بنبرة متوسلة إلى حركة السترات الصفراء: "أوصيكم بباريس.. الرفق بباريس.". 

التراجع لم يعد موجودا في قاموس المتظاهرين. فعقب كل مواجهة يحققون انتصارا على حساب تراجع شعبية الرئيس ومكانة الحكومة. ازدياد ثقة السترات الصفراء بنفسها دفعها لتوجيه طلب إلى رئيس الوزراء إدوارد فيليب في السابع من ديسمبر لمنع الشرطة من استخدام القنابل الدخانية خلال المظاهرات. لكن الحكومة ردت على هذا الطلب باقتراح الحوار وعدم التظاهر لحماية الممتلكات العامة.

التقارير الاعلامية أشارت إلى احتواء القنابل الدخانية على مادة TNT بنسبة 25 بالمئة وهي نسبة قد تترك آثارا سلبية دائمية على الجهاز التنفسي.

 

المواجهة الرابعة 8 ديسمبر استراتيجية الأرض المحروقة.

 

حاول وزير الداخلية كريستوف كاستانير أن يلعب هذه المرة دور رجل الدولة القوي. لا تراجع أمام حركة غير مرخصة. التدابير الأمنية كانت على أشدها. انتشر في عموم فرنسا أكثر 80 عنصرا أمنيا. وفي باريس لوحدها 8500 شرطيا. 

استعان بالمدرعات المصفحة التي لم تنزل إلى الشوارع منذ عام 2005. حمت الشرطة الفرنسية 15 نقطة استراتيجية تتوزع بين المقرات الحكومية والمواقع السياحية. 

قرابة 20 محطة مترو تم غلقها كما تم تحويل مسار الباصات إلى شوارع أخرى لا تؤدي بتاتا إلى الشانزليزيه. 

الفرق الاعلامية أتت مستعدة لهذه المقابلة باجراءات جديدة. الأقنعة تغطي وجوهنا نحن أيضا لنحمي أنفسنا من الدخان الذي سبب لنا الاختناق لعدة مرات خلال الاسبوع الماضي. 

التوتر واضح على وجوه الشرطة التي تعاملت بعنف مع الاعلاميين. رجال الأمن دفعونا أكثر من مرة وكادت عصيهم أن تنال منا لولا التحرك السريع لتلافي ذلك. حصروا الاعلاميين في زاوية تضم الكثير من السترات الصفراء. تعمدوا خلط الصحفيين مع المتظاهرين ليبرروا القاء القنابل الدخانية على الصحفيين دون توقف. 

قناة BFM TV الفرنسية تعرضت للضرب من قبل المتظاهرين أنفسهم لأنهم اتهموها بالميل نحو الحكومة خلال تغطية الاحداث. بعض الصحفيين فضلوا خلع شعارات قنواتهم خشية ردة فعل من هذا النوع. الصحفي في هذا اليوم مهدد من الطرفين. 

واجهات المحلات التجارية مغطاة بألواح خشبية للحماية من السرقة. والبعض الآخر علق سترات صفراء داخل المحل عسى أن تكون سترات واقية.

المواجهة كانت حامية بين الطرفين والعدد متقارب جدا فالمتظاهرون الذين بلغ عددهم 8 آلاف في باريس أحاط بهم 8500 عنصرا أمنيا. الوجود الاعلامي الذي يستفز الشرطة لم يمنعهم من اللجؤ إلى العصي. مدافع المياه والقنابل المسيلة للدموع. وكل تلك الوسائل لم تمنع المتظاهرين في ذلك اليوم من تكسير الكثير من المحلات التجارية وسرقة البضائع الثمينة. عند انتهاء المظاهرات كان عدد المعتقلين قد وصل إلى 2000 شخص في عموم فرنسا ومن بينهم 1000 في باريس لوحدها. بينما تسببت المواجهات بجرح 320 شخصا من كلا الطرفين.   

تعمدت الشرطة عرقلة عمل الاعلاميين واعتدت على البعض وبالتالي توجه 22 إعلاميا في اليوم التالي إلى القضاء لتوجيه شكوى بحق الشرطة الفرنسية بتهمة تعمد اهانة وتعنيف الصحفيين. 

الخسائر المادية كانت في هذه المرة أكثر من سابقتها. هذا ما أعلنته بلدية باريس. وهذا بالتأكيد الذي دفع بالرئيس الفرنسي ماكرون إلى التفكير باتخاذ خطوة جديدة في بحثه اليائس عن نهاية لهذه الأزمة التي أتت بسرعة على مستقبله السياسي. وزير الاقتصاد هنري لومير زار أصحاب المحلات المتضررة ووعدهم بالمساعدة. الدولة ستشترك بالتعويضات مع شركات التأمين. ها نحن أما حمل جديد يضاف إلى ميزانية محسوبة بدقة منذ أعوام. إيرادات الشركات سجلت انخفاضا بنسبة 40 بالمئة. المحلات التجارية تسجل تراجعا في نسبة المبيعات بأكثر من 30 بالمئة. الفنادق تستقبل الرسائل التي تبلغهم الغاء الحجوزات السياحية. متحف اللوفر يسجل خسارة تقارب مليون يورو في الاسبوع الواحد. 

 

 

100 يورو لشراء طوق النجاة 

 

حانت الساعة التي لابد منها.. فعقب فترة صمت دامت 12 يوما ظهر الرئيس الفرنسي ماكرون من جديد ليقدم آخر مالديه ساعيا إلى مد أواصر الثقة من جديد بينه وبين الشعب الفرنسي. حاول جهد امكانه خلال الخطاب الذي استمر 13 دقيقة على أن يبدو متأثرا بما حدث لا أن يبرز بمظهر الشخص المتحدي أوالساعي إلى المقاومة. أراد أن يبدو انسانا أكثر مما هو رئيس للجمهورية وحاول في نفس الوقت أن لايسمح للأحزاب المعارضة بلعب دور المدافع عن الشعب: "كلنا رأينا لعبة الانتهازيين الذين حاولوا استغلا الغضب الصادق للشعب كلنا رأينا السياسيين غير المسؤولين الذين حاولوا بث الفوضى في الجمهورية. " لم يرغب ماكرون أن يبدو ضعيفا أمام كل الجبهات. فقد خسر المعركة بوجه الشعب لكن هذا لا يعني أن يخسر المعركة أمام بقية الأحزاب السياسية.

إلا أنه في هذا الخطاب لا يمكنه إلقاء اللوم على الأحزاب السياسية المعارضة دو أن يلوم نفسه هو الآخر. لكن هذا من أجل استرجاع مكانته المفقودة. فهو الآن رئيس منتخب لكن غير مرغوب به: " أعلم بأنني جرحت البعض منكم بكلماتي.. وأنا آسف لذلك. أعلم بأن الغضب عميق. وأنا أشعر بكم... لا تتصوروا أبدا بأن همومكم لا تعنيني. سأتحمل هذه المسؤولية." وها قد حانت لحظة الوعود التي يفترض أن تحل الأزمة المتصاعدة: "قررت أن أمنح 100 يورو زيادة على رواتب الحد الأدني اعتبارا من بداية عام 2019. ساعات العمل الاضافية سيتم اعفائها من الضرائب. وسأطلب من كل أصحاب المؤسسات أن يمنحوا مكافئة نهاية العام لموظفيهم. ولن نفرض أي ضرائب اضافية لا على المرتبات ولا على مبالغ التقاعد دون 2000 يورو".

هاقد أدلى بدلوه ومنح كل ما عنده. ذلك هو طوق النجاة الأخير الذي لن يتمكن من تغييره حتى لو أستمرت الظاهرات المطالبة بالمزيد.

 

نتائج وعود ماكرون على ميزانية فرنسا

 

قرار زيادة الأسعار الذي يلقى على كاهل التوازن الهش لا يمكن أن يمر دون أن يترك آثارا واضحة. فقبل هذا القرار كان هنالك خفظ الضرائب على بعض الشركات لفتح سوق تنافسي لها في فرنسا ولاقناعها على عدم المغادرة نحو ما أسمته الحكومة الفرنسية "الجنة الضرائبية" وهي الأرض الخالية من الضرائب. وهكذا ضحت فرنسا قبل نشوب الأزمة ببعض الايرادات. وتنفيذا للقرارات الجديدة فأن فرنسا مقبلة على عجز مالي بنسبة 3.4 بالمئة من الناتج الاجمالي المحلي وهذا سيظهر في النصف الثاني من عام 2019. الاجراءات الجديدة ستكلف الدولة أكثر من 10 مليار يورو سنويا وهو ما يعادل 0.4 من القيمة الاجمالية للميزانية الفرنسية التي ستبلغ في العام المقبل 2360 مليار يورو. 

 

 

ماكرون وفقدان الأهلية

 

طالب المتظاهرون على مدى عدة أسابيع باستقالة ماكرون، وكتبوا تلك العبارة على قوس النصر وعلى عدة جدران. أما الأحزاب السياسية المعارضة الثلاثة جبهة اليمين المتطرف المتمثلة بحزب التجمع الوطني، اليسار المتطرف حزب فرنسا الأبية والحزب الشيوعي الفرنسي أتفقوا على تقديم طلب التصويت على حجب الثقة على الحكومة. رئيس الحكومة إدوارد فيليب فاقد للشعبية هو الآخر. استطلاعات الرأي أتت بنتائج وخيمة. 80 بالمئة يعتبرونه فاشلا في ادارة الأزمات حسب استطلاع أجراه راديو فرنسا الدولي. الثقة مفقودة مسبقا لكن دستوريا استطلاعات الرأي لا قيمة لها. 

 

 

تراجع مكانة فرنسا على الصعيد الأوروبي

 

وصول إيمانويل ماكرون إلى الرئاسة تزامن مع تراجع شعبية أنجيلا ميركل. هذا الأمر سمح لماكرون أن يكون في مركز الثقل لهذا الاتحاد الذي لم يتمكن حتى اللحظة من محو آثار الأزمة الاقتصادية التي هزت أركانه في عامي 2007 و 2008. 

بعد مرور 4 أيام عن الاعلان عن قراراته بشأن حل الأزمة الداخلية توجه ماكرون إلى بروكسل لحضور آخر اجتماعات قادة الاتحاد الأوربي لهذا العام. وعقب الاجتماع انطلقت قمة دول منطقة اليورو. اللقاء الذي على ماكرون أن يقدم خلاله تبريرات كثيرة.   قرارات ماكرون بالنسبة للاتحاد الأوروبي هي مؤشر على دخول فرنسا في حالات عجز متتالية ولن تقتصر فقط على عام 2019. لكن ماكرون الذي أجبر بالامس على اتخاذ هذه القرارات ها هو اليوم مجبر على الدفاع عنها: "لا يمكنني أن أنفذ مشروعي الاصلاحي على الصعيد الأوروبي ضد الآمال والمطالب المشروعة. مطالب السترات الصفراء... هذه القرارات هي موجودة أصلا في برنامجي الرئاسي لكنها كانت على مدى طويل. كل ما فعلته هو أنني أمرت بالتعجيل بتنفيذها". 

فما هو أذن مستقبل الاصلاحات في الاتحاد الأوروبي. هذا الموقف بالتأكيد سيسحب البساط من تحت فرنسا التي تحاول أن تتقلد دور الزعامة في الاتحاد الأوربي. 

موقف ماكرون أكد لقادة دول الاتحاد أنه سيتخلى عن سباقه الاصلاحي الذي وعد به منذ انتخابه ولن يعد بامكان فرنسا المقبلة على عجز أن تساهم في احياء الاتحاد. ايطاليا هي أول المتأثرين بقرارات ماكرون على الصعيد الأوربي فقد كانت تأمل أن يتمكن الاتحاد من تقديم مساعدات مالية لاقتصادها المتدهور بشكل مرعب بعجز يبلغ 130 بالمئة.

 

تنازلات من دون مقابل

 

الحكومة الفرنسية تطالب الحركة الصفراء بانهاء الاحجاجات والجلوس إلى طاولة الحوار. لا لتقديم المزيد وإنما لاقناع المحتجين بأن هذا كل ما يمكن تقديمه.

منحت الرئاسة الفرنسية 100 يورو لذوي الدخل الأدنى وهو المرتب الذي يبلغ 1300 يورو. لكن ماذا عن المتظاهر الذي يحصل على مرتب 1500 يوروشهريا؟ أنه العامل الفقير غير المشمول بهذه الزيادة. 

نسي ماكرون أن هنالك الكثير من المتظاهرين يحصلون على هذا الراتب وهم لم يحصلوا على شيء. اقترح عليهم أن يعملوا ساعات اضافية وسيعفي أجر تلك الساعات من الضرائب. بالتأكيد هذا لا يعد مكسبا بالنسبة للمتظاهرين لأن الكثير من المهن لا يوجد فيها ساعات عمل أضافية بتاتا. فمالذي كسبه؟! لا شيء.

 

المواجهة الخامسة 15 ديسمبر 

 

سعت الحكومة إلى استثمار تردي الوضع الأمني عقب اعتداء مدينة ستراسبورغ الذي أودى بحياة 5 أشخاص. دعت وزارة الداخلية إلى عدم التظاهر ليتسنى لرجال الأمن التركيز على كشف العمليات الارهابية المحتملة. إلا أن أنصار السترات الصفراء لم يلبوا هذا النداء وعلى العكس من ذلك أتهموا الحكومة بتدبير الاعتداء لبث حالة اللاأمن. 

المدرعات في كل مكان منذ الصباح. أعداد المتظاهرين في انخفاض مستمر إلا أن نوع المتظاهر قد تغير. الحكومة مستمرة بتسميتهم بالفئة العنيدة وبعض وسائل الاعلام الفرنسية تسميهم الفئة الراديكالية. المجموعة التي أخفق ماكرون في التوصل إلى تسوية معها بشأن المطاليب. فهم يطالبون الآن باستفتاء لاستثمار أصواتهم من جديد بشأن اختيار رئيس الجمهورية. 

شارك في المظاهرات 66 ألف متظاهر في عموم فرنسا و3 آلاف متظاهر في باريس. أستمرت الأمطار بالهطول طوال ساعات التظاهر في باريس. وهذا ما تسبب بانخفاض تدريجي لعدد المتظاهرين الذين فرقتهم الشرطة بالقنابل الدخانية وتم أجبار البعض على المغادرة باستخدام مدافع المياه.

الشعار الأبرز في مظاهرات اليوم كان التركيز على طلب الاستفتاء. حتى وإن تطلب الأمر تعديلا دستوريا.

 

الشرطة تستجيب لنداء المتظاهرين وتهز أركان الحكومة.

 

لم يكن من المتوقع أن يستجيب رجال الأمن بهذه السرعة لدعوة المتظاهرين بالانضمام إليهم في ذلك التحرك الجماهيري. على حين غفلة ودون مقدمات أعلنت الشرطة أنها لم تعد تطق هذا الاسلوب في التعامل وأكد أعضاء نقابة الشرطة أن: "الحكومة لا تقدر الجهود الكبيرة التي يبذلها رجال الأمن. ولا تعترف بدورنا الحقيقي وبمواجهتنا المباشرة لهذه الأزمة. رجال الأمن أدوا ساعات عمل أضافية منذ وقت طويل ولم يحصل أحد منهم على أجور تلك الساعات. بعضها تعود إلى أكثر من 6 أعوام".

ها هي مبالغ جديدة تضاف إلى قائمة الوعود التي تورط بها الرئيس ماكرون. بينما تعد الحكومة بمكافئة نهاية العام لرجال الأمن تؤكد نقابة الشرطة على ضرورة دفع الحقوق المتأخرة التي بلغت أكثر من 23 مليون يورو. وللضغط بشكل فعلي يتجاوز الأقوال المجردة على وسائل الإعلام تم الاعلان عن اضراب قريب الأجل. 

في التاسع عشر من ديسمبر انطلق اضراب الشرطة في عدة مقرات في العاصمة الفرنسية وعدة مدن أخرى بينما تعمد رجال الأمن في المطارات إلى تنفيذ عمليات تفتيش مطولة الهدف منها هو خلق تأخير متعمد في حركة المطارات. لم تصمد الحكومة أكثر من يومين ليتنازل وزير الداخلية كاستانير أمام مطاليب الشرطة ويعد بتنفيذ مطاليبهم وبزيادة شهرية ثابتة تصل إلى 150 يورو.

تنفست الحكومة الصعداء حينما أنهت هذه الأزمة قبل انتشارها بشكل أوسع وإلا لن يكون أمام الحكومة غير رفع الراية البيضاء في هذه المعركة متعددة الجبهات.

 

 

المواجهة السادسة 22 ديسمبر  المباغتة والخدعة

 

 أعلنت حركة السترات الصفراء في صفحتها الرسمية وبقية صفحاتها على موقع التواصل الاجتماعي، وسيلة التواصل فيما بين الأعضاء عن مكان التجمع ليوم غد السبت. أمام مبنى قصر فيرساي "لأنه يرمز إلى الاستبداد الملكي" كما أكدت الحركة في اعلان التجمع أن محاربتها لهذا الاستبداد نابع من قناعتها بأن "ماكرون يتصرف كملك وليس كرئيس جمهورية". 

تتابعت المشاركات على الصفحة من قبل المناصرين ليؤكدوا موافقتهم على هذا هذا المقترح. قصر فيرساي أعلن عن غلق أبوابه يوم السبت وأنه سيسدد ثمن التذاكر لمن أشترى تذكرته عبر الموقع الاليكتروني ويرغب بزيارة القصر يوم السبت. 

الشرطة الفرنسية ألقت بثقلها الأكبر في تلك المنطقة وشكلت أحزمة أمنية متراصة حول مدينة فيرساي بأسرها. فهي لا ترغب بتاتا بالمجازفة بهذا الصرح التاريخي الكبير. 

 

الشرطة متأهبة منذ الصباح لحماية مدينة فيرساي. لكن ممن؟ ليس هنالك من لون أصفر ولا حتى في الأفق.

قبل انتصاف النهار ومع ظهور موجة متظاهرين تنزل من حي مونتمارتر في شمال باريس نحو ساحة الأوبرا أدركت الشرطة الفرنسية وكذلك الأعلام وكل من تابع أخبار الحركة بأن السترات الصفراء خدعوا الجميع.

عند وصولي إلى حي الأوبرا بدراجتي الهوائية التي فضلت استخدامها بدلا من الاعتمدا على شبكة النقل العام المعطلة في يوم السبت سألت أحد رجال الشرطة عن مكان السترات الصفراء فأجابني كرجل تائه في المدينة: "لا أدري! هم في كل الأحياء.. يتحركون بمجموعات بلا توقف. لا نعرف إلى أين يتجهون".

ـ والتجمع أمام قصر فيرساي لماذا لم يذهبوا إلى هناك؟

ـ "كان ذلك اعلانا كاذبا. أفلحوا في خداع الجميع".

 

لم يكن العثور عليهم بالامر السهل. تطلب ذلك أن أتجول في عدة شوارع حتى لاح لي اللون الأصفر من بعيد. انقسموا إلى عدة مجموعات متحركة. واصلوا السير في الشوارع متنقلين من حي إلى أخر كل مجموعة تتألف من بضعة مئات من المحتجين. شعاراتهم هي نفسها منذ أسبوعين استقالة ماكرون أو اجراء استفتاء على بقائه أم لا في السلطة. أما الشعار الجديد هذا اليوم فقد كان "باريس انهضي. والتحقي بنا في الشارع" وعلى لافتات المتظاهرين كانت هنالك بعض العبارات الرنانة "الملك ماكرون يرمي فتاة الخبز للشعب" أو "توقف يا ماكرون عن احتقار الفقراء". 

 

تدخل الشرطة لم يكن بالأمر السهل. فما إن تحاول الشرطة أن تغلق أحد الشوارع حتى تسلك المسيرة دربا آخرا. المسيرة التي تألفت من المئات عند التحاقي بها تضاعف عددها حتى تجاوز ألفين متظاهر. توجهت المظاهرات بعدما ارتفع عددها وقويت شوكتها إلى ساحة الأوبرا حيث يقع مبنى الأوبرا الشهير.

عقب مسيرة دامت عدة ساعات في شوارع باريس من قرابة ألفين شخص ألقت الشرطة القبض على البعض منهم حين الاقتراب من دار الأوبرا بينما فضل المئات التراجع ليتوجهوا مساءا إلى شارع الشانزليزيه.

 

المنعطف الأهم في هذه الحلقة السادسة من المواجهات الأسبوعية هو بروز السؤال المحير: كيف تمكنت الحركة من تضليل الشرطة وخداعها بالاعلان الكاذب بشأن التجمع حول قصر فيرساي. 

لم ينخدع أحد من أتباع السترات الصفراء بذلك الاعلان. وكان الاتفاق هو التوجه إلى باريس وتكوين مجموعات متفرقة تنظم مسيرات في باريس. اتفقت الحركة على تلك الاستراتيجية بشأن المظاهرات السادسة. ونفذت تلك المظاهرات وفق الاتفاق. دون أن تتمكن الشرطة من اكتشاف الحقيقة إلا في ساعة التنفيذ. فما هي وسيلة الاتصال الأساسية التي تمكن المتظاهرون من خلالها الاتفاق على عدم الذهاب إلى فيرساي تاركين الشرطة تذهب لوحدها إلى هناك. 

ماهي وسيلة التواصل بين المتظاهرين وكيف تمكنوا من حمايتها وعدم السماح للشرطة باختراقها؟!

 

الشرطة تعاقب صاحب الاعلان الكاذب

 

لم تعد الشرطة قادرة على البقاء مكتوفة الأيدي وهي تعلم أن مطلق الاعلان الكاذب هو أحد وجوه الحركة البارزين أيريك دروو البالغ من العمر 33 عاما ويعمل سائقا في شركة نقل تجاري. 

تكرر ظهوره الاعلامي كممثل لحركة السترات الصفراء وكأحد المؤسسين لهذا التحرك الاحتجاجي. طالب في الأسبوع الثالث من المظاهرات وعلى شاشة القناة الفرنسية الاخبارية BFM TV  التوجه نحو الأليزيه والدخول إلى حيث يسكن ماكرون بعد اجتياز الجدران.

توجهت الشرطة نحو مسكنه في مدينة سين مارن وألقت القبض عليه بتهمة حيازته لسلاح من نوع B إلا أن الدافع الأساسي كان هو ذلك الاعلان الكاذب الذي أكد للشرطة من خلاله أن هذه الحركة تتمتع بأسلوب اتصال لم تطلع عليه بعد.

وفي اليوم التالي من الاعتقال أكدت الداخلية بأن ايريك دروو سيمثل أمام القضاء في الخامس من يونيو حزيران المقبل بتهمة حيازة الأسلحة والتحريض على تدبير اعتداء على قصر الاليزيه استنادا إلى الكلام الذي تفوه به في الخامس من ديسمبر.  

 

  

السترات الصفراء بين الفوضوية والحوار

 

السترات الصفراء انطلقت بشكل عفوي للاحتجاج على قرارات الحكومة بشأن زيادة أسعار الوقود ورفع الضرائب وزيادة الرسوم على الغاز والكهرباء. تلك كانت شرارة التحرك الأول الذي شهد موجة مشاركة عفوية تنبأت بولادة حركة ستمثل الهرم الأكبر الذي سيجثم على صدر الرئيس ماكرون وحكومته حتى نهاية ولايته الرئاسية. هذا الكابوس الذي خلال أسابيع قليلة وأد أحلام ماكرون وأتى على مستقبله السياسي. 

الحكومة الفرنسية تراجعت عن كل قراراتها. ومنحت قرارات وتعديلات تصب في مصلحة الطبقة الفقيرة دون النظر إلى التبعات الاقتصادية التي ستظهر في القريب العاجل على الميزانية الفرنسية. كل ذلك من أجل ارضاء حركة يصعب ارضائها لأنها ببساطة حركة غير ممنهجة وتتسم بالفوضوية ولا تمتلك جدول مطالب واضحة أو محددة. فما يتعارض مع الدستور تطالب بتعديل الدستور لتمريره. تريد أن يتحول الغير ممكن إلى ممكن. ترغب الحركة بأن يتحول كل الفقراء إلى أغنياء هو أمر لا يدخل ضمن امكانيات الحكومة. لكنهم يطالبون الرئيس بفعل ذلك أو الاستقالة.

قدمت الحكومة الفرنسية ما يمكن تقديمه ولم يعد لديها المزيد. وفي هذا اليوم الذي يكاد الحبر أن يجف على هذه الأوراق. تسعى الحكومة وتتكرر توسلات ماكرون لممثلى حركة السترات الصفراء بالجلوس معه إلى طاولة الحوار: "آن الآون لأن يحل الحوار محل الاحتجاجات". لكن ما من آذان صاغية لنداءاته. 

حركة السترات الصفراء عاجزة اليوم عن اختيار ممثل حقيقي وشرعي يجلس إلى طاولة الحوار لتقديم مقترحات الحركة بشكل رسمي. عقب الاعلان عن قرار زيادة الدخل الأدنى تراجع عدد من قيادات الحركة عن فكرة التظاهر وأكدوا ضرورة البداية بمرحلة الحوار. إلا أن تلك الجبهة التي أسمت نفسها المعتدلة سرعان ما زالت عن الأضواء. لتبرز قيادات جديدة راديكالية ترغب باقتحام الاليزيه ولا تتوقف عن الاضافات في أسفل قائمة المطالب وتهدد طوال الوقت باخراج ماكرون من السلطة عن طريق الاستفتاء. الشبح الذي تخشاه الحركة هو الحوار. 

الحوار بالنسبة لحركة السترات الصفراء سيكون الاعلان عن نهاية عصرها الذهبي. 

مصدر قوة حركة السترات الصفراء الحقيقي هو فوضويتها في التحرك وتشتتها في الخطابات. ذلك ما يجعل مهمة محاصرتها تبدو مستحيلة بالنسبة للحكومة. فأحدهم بنادي بالتوجه نحو الأليزيه والآخر يدعو إلى غلق الممرات الحدودية التجارية. وإن تخلت الحركة عن أسلوبها الفوضوي فهذا يعني تضحيتها بمصدر قوتها الوحيد.

المحطة الحكومية المقبلة ستكون النقاشات حول ضرورة أم عدم ضرورة أجراء استفتاء بشأن الرئيس الفرنسي ماكرون. وكما نجى ماكرون وحكومته من فخ حجب الثقة سينجو كذلك بفعل الغطاء الأمني الذي يوفره له حزبه الجمهورية إلى الأمام تحت قبة البرلمان من كابوس الأستفتاء الذي تطالب به اليوم حركة السترات الصفراء.

 

 

يورو تايمز / الحقوق محفوظة

الرئيسية
للاعلان معنا
هيئة التحرير
هنا السويد
هنا اوروبا
أخبار
ثقافة
آراء
منوعات
طب وتكنولوجيا
كشف المستور
تحقيقات ومقابلات
أخبار الهجرة
من نحن
اتصل بنا
RSS
سياسة الخصوصية



جميع الحقوق محفوظة لصحيفة يوروتايمز © 2016
برمجة واستضافة ويب اكاديمي